السبت، 8 يناير 2022

الإحالة على محاضرة : (أثر العلم في تحقيق مصالح الأمة) | أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي

 

بسم الله ...

     الإحالة على محاضرة :
(أثر العلم في تحقيق مصالح الأمة

 للشيخ المتقن صالح بن عبد الله العصيمي - حفظه الله –

أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي



     الكلام عن تحقيق مصالح الأمة ، من المواضيع المهمة غاية ، وقد تحدث عنها الناس في وقتنا المعاصر وكتبوا بألسنة تنوعت مشارب أصحابها وتعددت ..- والقلم أحد اللسانين (!) - ، والظاهر - والله المستعان - الاستناد في ذلك عند عمومهم على ( *تحكيم مجرد الفكر* )!! ..، وقل من يؤسس الأمر على ( العلم )؟! ..، ولذلك حصل الافتراق .. ، وتبدى الشقاق .. ، ف " العلم يُجٓمع ، والفكر يُفٓرق" كما قال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ  - رحمه الله-  ..، وليس القصد من هذا الطرح انتقاص منزلة الفكر ..، وإنما بيان مرتبته ، فالعلم - بضابطه - حاكم وقاضي ، والفكر - بشرطه - شاهد ..فتأمل وبالعلم تجمل ... 

      فمما هو مقرر في الشريعة الغراء ، ومعلوم عند العلماء أن " الشريعة ما وضعت إلا لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل ، ودرء المفاسد عنهم " الموافقات 2/9 .

  الشرع وضع الله للعباد *** للنفع في المعاش والمعاد 

     وعليه فالمصالح الشرعية العامة والخاصة هي التي ارتبطت بنصوص الشريعة الإسلامية ومقاصدها وأصولها ..، منها تؤخذ وإليها ترجع .. 

   قال شيخ الإسلام - رحمه الله - :  " القول الجامع أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين وأتم النعمة ، فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا قد حدثنا به النبي - عليه الصلاة والسلام - وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك ، لكن ما اعتقده العقل مصلحة وإن كان الشرع لم يرد به فأحد الأمرين لازم له ، إما أن الشرع دل عليه من حيث لم يعلم هذا الناظر ، أو أنه ليس بمصلحة وإن اعتقده مصلحة، لأن المصلحة هي المنفعة الخالصة أو الغالبة ، وكثيرا ما يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين والدنيا ويكون فيه منفعة مرجوحة بالمضرة، كما قال تعالى في الخمر والميسر  : ( قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ) " الفتاوي 11/344 .

      ولما كانت الشريعة قائمة على ( العلم ) ..،  فموافقة مراد الله في تحقيق مصالح الأمة لا سبيل إليها إلا ب ( العلم الشرعي)؟! ..الذي لا يخرج عن " النقل المصدق "! ..، و " البحث المحقق "!* ..، وما سوى ذلك ف ( هذيان مزوق )!! ..، فالعلم حاكم ، وغيره محكوم عليه ..،  فتذكر ولا تتنكر ..

     قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - : "  إذا حكم العلم انقطع النزاع ووجب الاتباع ، وهو الحاكم على الممالك، والسياسات ، والأموال ، والأقلام ، فملك لا يتأيد بعلم لا يقوم ، وسيف بلا علم مخراق لاعب ، وقلم بلا علم حركة عابث ، والعلم مسلط حاكم على ذلك كله ، ولا يحكم شيء من ذلك على العلم " مفتاح دار السعادة 1/296-297.

      فمن الضروري - إذن -  لمن أراد الكلام عن قضايا الأمة تحقيقا لمصالحها أن يكون صاحب ( دربة علمية )! ...، و ( ملكة فقهية )! ..بخلاف ما نراه من بعض الناس الذين أرادوا أن يحققوا مصالح الأمة بأقلامهم .. ، وتصرفاتهم .. ، ومشارعهم .. بما هو مسطر في ( الكتب الفكرية )!! ..، ومرقوم في ( الكتابات الثقافية )!! ..، حتى أفرز هذا الحال ما يصطلح عليه في الميدان الدعوي ب ( المثقفين الإسلاميين )؟! ..أو ب ( المفكرين الإسلاميين )؟! ..، ولا ضير أن يتكلم هؤلاء ..في أبواب معينة ومجالات محددة - وفق ضوابط مقررة ( ؟!)  - لينتفع الناس بهم  .. أما قضايا الأمة وتحقيق مصالحها العامة التي تحتاج إلى علم محقق ، ونظر مدقق ..فلا ..

       نعم ؛ هذا الصنف قد نال إعجاب كثير من الناس - مع ضعف ظاهر في التأصيل (؟!) - لما يبذلونه من معلومات ومعارف إسلامية إلى حد أنهم وجدوا من يقتدي بهم- وفي الأمور العظيمة (!!)-  بغير علم ولا بصيرة بل لمجرد كونهم أصحاب *فكر وثقافة وتحليل وجرأة غريبة (!!!) ..، وعلة هذا الواقع المرير هو ميل الناس - إلا من رحم الله - مع الخطاب العاطفي أكثر من ميلهم إلى الخطاب العلمي البرهاني ..، وليس القصد التجرد من العاطفة ، لكن المراد تقرير أنها ليست حاكمة .. فتأمل ولا تتعجل ..،  فنتج عن ذلك الفساد العريض في الأوساط الدعوية ...، فحسبنا الله ونعم الوكيل ...

       فلا يحق لأمثال هؤلاء - يا رعاكم الله - الكلام في مصالح الأمة لما عرفوا به من تقصير غاية في التأصيل العلمي ..، وهم بذلك لم يخرجوا حقيقة عن ( وصف التقليد )؟! ..ف " المقصر في علم كالمقلد فيه " ...فكيف - كما قلنا - و هذا التقصير منهم ..قد بلغ مبلغا عظيما (!!!) ..

      قال الشيخ عمر الفاسي - رحمه الله - في رسالة ( الوقف ) له : " وأنى للمقلد أن يدعي غلبة الظن أن هذه المصلحة فيها تحصيل مقصود الشارع وأنها لم يرد في الشرع ما يعارضها ، ولا ما يشهد بإلغائها ، مع أنه لا بحث له في الأدلة ، ولا نظر له فيها . وهل هذا إلا اجتراء على الدين   وإقدام على حكم شرعي بغير يقين " نقلا عن رسائل الإصلاح 2/154 للعلامة محمد الخضر حسين - رحمه الله - .

         وإذا كان هذا الذي ذكرناه في حق من يسمون ب (المفكرين الإسلاميين )؟!! ..،  فهو في حق (العلمانيين)!!! من باب أولى وأحرى وأجدر ..، حيث هؤلاء القوم أصحاب ( إفلاس ) من علوم القرآن العظيم .. ، و فقه سنة النبي الأمين - عليه الصلاة والسلام - .. ، و قواعد وذوق اللسان العربي المبين  (!!!) .. ،  بل عارضوا ذلك بأهوائهم .. ، وقابلوه بما هو مشين .. ، إضافة إلى الطعن في السلف الصالحين ..، ومع ذلك يخوضون في شرع الله بالظن والتخمين ، ويفهمون النصوص بما هو خارج عن شريعة رب العالمين ، فهم أرباب التحريف والتبديل للدين ، فنعوذ بالله من كيد الكائدين ، وتحريف المنحرفين المحرفين ..، الذين يصدق فيهم قول القائل : " طافوا على أرباب المذاهب ، ففازوا بأخس المطالب " !!!..

      فليعلم - حفظكم الله - أن الكلام عن تحقيق المصالح عموما ، ومصالح الأمة خصوصا يحتاج " إلى مزيد  من الاحتياط ... ، وشدة الحذر من غلبة الأهواء لأن الأهواء كثيرا ما تزين المفسدة فترى مصلحة ، وكثيرا ما يغتر  بما ضرره أكبر من نفعه " مصادر التشريع الإسلامي لخلاف - رحمه الله - ص: 85 بتصرف يسير .

     قال شيخ الإسلام - رحمه الله - في السياق نفسه : " وهنا فصل عظيم ينبغي الاهتمام به ، فإن من جهته حصل في الدين اضطراب عظيم ، وكثير من الأمراء والعلماء والعباد رأو ( مصالح ) فاستعملوها .. وقد يكون منها ما هو محظور في الشرع ولم ( يعلموه )! .. " الفتاوي 11/343.
 

     فما أحوجنا - إذن -  عند تقرير مصالح الأمة لمن ينطلق في ذلك من *العلم الصحيح المأخوذ من الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة وتقريرات الأئمة ..

        ولذا اخترت لكم في هذه المقالة الإحالة على محاضرة قيمة ماتعة بعنوان : ( أثر العلم في تحقيق مصالح الأمة ) للشيخ المتقن صالح بن عبد الله العصيمي - حفظه الله ومتعنا بعلمه - وهي نبذة يسيرة حول الموضوع بمثابة ( المدخل له )..، وإليك مجمل ما قرره الشيخ فيها :

    بدأ الشيخ - حفظه الله - بعد المقدمة ببيان عظم شأن الموضوع حيث قال : " من مرابع البيان ، ومراتع التبيان : ذكر أثر العلم في تحقيق مصالح الأمة " ..

       ثم عرج على ذكر مفهوم المصلحة حيث هو : " إيصال ما ينفع العباد " ..، وقرر -  أحسن الله إليه - أن هذا المعنى غير مختلف فيه ، وإن وقع الخُلف في التسمية ، فهناك من يسمي هذه الحقيقة : مصلحة .. ، وسميت : منفعة .. ، وسميت لذة..إلى غير ذلك ..، ولا مشاحة في الأسامي ( ؟! ) ..

          وانتقل بعد إلى الكلام عن تقسيم علماء الأصول للمصالح إلى أقسام متعددة لاعتبارات مختلفة ...، وهذا من باب : " اختلاف العبارات لاختلاف الاعتبارات "..وذكر - بارك الله فيه - أن من جملة هذه الأقسام  : تقسيم المصالح باعتبار تعلقها بعموم الأفراد وآحادهم إلى نوعين : 

      1. المصالح الجماعية : وهي التي تتعلق بجماعة المسلمين .
      2 . المصالح الفردية : وهي التي تتعلق بآحادهم  .. ، ونبه - هنا ! - على أن المراد بالآحاد في هذا السياق : ( النوع )! ...لا أحدا بعينه.. فتأمل .

      ثم نص - وفقه الله - على أن أحسن ما يعبر به عن المصالح المتعلقة بعموم الأفراد ..، - وهي المقصودة بالكلام (!) - ..أن يقال عنها : ( المصالح الجماعية )..، و ذكر أن أحد الأقدمين قد سماها ب ( مصالح الأمة )..، ويقرب من هذا تسميتها ب ( مصالح المسلمين )..

        وبعد هذا عرف - بارك الله فيه - مصالح الأمة بأنها : " المصالح الجماعية التي تتعلق بالخلق كافة " ..،  أو ب ( أكثرهم )! .. ذلك أن تخلف بعضهم لا ينافي ( الكلية ) كما قرره الشاطبي - رحمه الله - في الموافقات .

      وعند هذا الحرف من الكلام كشف الشيخ - رفع الله قدره - عن شبهة يلهج بها بعضهم ومفادها أن من تقدم من علمائنا (غيبوا )!! الكلام والحديث عن المصالح العامة ...، ثم قرر - سلمه الله -  غلط ذلك على أئمتنا ...، وبين وجود ذلك في تقريراتهم في موردين

    أولهما : في باب السياسة الشرعية ، فإن الإمام نائب عن الأمة في مصالحها ...

    ثانيهما : أن تلك المصالح توجد في مصالح الأفراد واحدا واحدا ..، وباجتماعها تتحقق المصلحة العامة والكلية ..

       وقد عزا الشيخ بيان هذا إلى العلامة الطاهر بن عاشور - رحمه الله - في كتابه : ( مقاصد الشريعة ) ..

   وأوضح الشيخ - متعنا الله بعلمه - بعدها حقيقة مفهوم ( الأمة ) عندما نتحدث عن مصالح الأمة ..
    وأنه يرجع في أصل الخطاب الشرعي إلى : 
      - ( أمة الدعوة ) ..
    - و ( أمة الإجابة ) ..

..  و هناك إطلاق ثالث لمفهوم الأمة وهو : 
      - ( الدولة أو الشعب ) ..

  ولهذا الإطلاق وجه في الوضع اللغوي ...، فكل جماعة أو طائفة من الناس يقطنون في محل ما من الأرض يليه ولي الأمر باسم الأمة فيقال لها : ( دولة ) ..، وفي أصل الخطاب الشرعي يطلق عليها اسم ( الأمة ) ..، وقد تواردت على هذا الإطلاق الثالث الأوضاع النظامية ..، حيث يقال : (المصلحة العامة).. ، أو (المصلحة الوطنية ) ..، ويراد بها : " مصلحة الدولة " ..

      إذن عند الحديث عن تحقيق ( مصالح الأمة )؟! ..لا بد من النظر إلى هذه الإطلاقات : ( أمة الدعوة ) و ( أمة الإجابة ) و ( الدولة / الشعب ) ..

       ثم بين الشيخ - حفظه الله - مسالك المتكلمين عن مصالح الأمة من المتأخرين .. ، وأن مرد ذلك إلى مسلكين وهما : 

      أ . مسلك بيان مصالح الأمة وفق منظور شرعي ..، و هو ( المسلك الحق )! ..ودونه باطل ..
    ب . مسلك بيان مصالح الأمة باعتبار منظور حزبي ، أي : من خلال ثوابت وأصول الحزب سواء كان حزبا يساريا شيوعيا ، أو اشتراكيا ، أو إسلاميا ( !! ) ..

      وعقب هذا المبحث تكلم الشيخ - بارك الله فيه - عن حقيقة ( مصالح الأمة ) ..، وأنه بالتتبع والاستقراء للنصوص الشرعية نجد مردها إلى ثمانية مصالح
    
  1. الصلاح ..
  2. الخيرية ..، ويسميها من تأخر : ( الهوية = تميز الأمة) ..
   3. الجماعة ..
   4 . العلم ..
   5. القوة ..
   6. الاكتفاء ..، أي : حصول الكفاية فيما يحتاج إليه من مطعم أو مشرب أو ملبس أو مسكن ..
   7 . العدل ..
   8. الأمن ..

      وهذه المصالح كما قال الشيخ - جزاه الله خيرا - تتوارد عليها أدلة كثيرة..، ولذا فهي ( كليات شرعية ) ..، وهناك أفراد من المصالح ترجع إلى هذه المصالح الكلية ..

     ونبه الشيخ أن من ظهرت له مصالح أخرى فلينظر .. فلعلها مندرجة في إحدى ما سبق ..و (عموما) ليس بمانع أن يدل التتبع والاستقراء على غير ما ذكر ..
       وبعد هذا التقرير ختم الشيخ - ختم الله لنا وله بالحسنى -  محاضرته النفيسة بالكلام عن الأمر الأعظم وهو : أثر العلم الشرعي في تحقيق مصالح الأمة ...، حيث أن حٓملة العلم الشرعي هم أحق الناس وأجدرهم بوجود أثرهم في تحقيق مصالح الأمة ..، ثم بدأ بذكر وجوه أثر العلم في تحقيق ذلك مع الشرح والبيان : 

    - الوجه 1 : بالعلم يتم تعيين مصالح الأمة والتعريف بها ..

    - الوجه 2 : بالعلم تحصل الدعوة إلى مصالح الأمة ، ويتم الحث عليها ..

    - الوجه 3 : بالعلم يتحقق الأمر بحفظ مصالح الأمة ، والنهي عن إضاعتها ..

     - الوجه 4 : بالعلم تتم صيانة مصالح الأمة ووقايتها من المفسدات ..

    - الوجه 5 : بالعلم يتحصل تحديد واجب العبد في تحقيق مصالح الأمة ..

   - الوجه 6 : بالعلم يتم تقسيم وظائف تحقيق مصالح الأمة بين أفرادها ..

   - الوجه 7 : بالعلم نعمل على تدريج الخلق إلى بلوغ مصالح الأمة وتحصيلها ..

  - الوجه 8 : بالعلم نتمكن من الحكم على ما يعده العادون في مصالح الأمة ، وبيان مواقعها من الشرع ..

   - الوجه 9 : بالعلم يتم تمييز الوضع الشرعي لمصالح الأمة ..

  - الوجه 10 : بالعلم نحيط بفقه النوازل المستجدة المتعلقة بمصالح الأمة ..

   - الوجه 11 والأخير : بالعلم نٓفصل بين الحقائق المصلحية المشتركة في الإسلام وغيره ..

     وبهذا المرقوم نهاية خلاصة كلام الشيخ - حفظه الله - عن موضوع : ( أثر العلم في تحقيق مصالح الأمة ) ..، ومن أراد تقرير ذلك من كلام الشيخ مع شيء من  البيان والشرح والإيضاح ..فعليه بالمحاضرة وهي مرئية على اليوتوب ...

   والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ..

        كتبه :
أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي .

التوزيع الجغرافي للقبائل العربية | المستشرق هارولد ديكسون

التوزيع الجغرافي للقبائل العربية كما وضعها

 المستشرق هارولد ديكسون قبل مئة عام

 تقريباً.



الأربعاء، 5 يناير 2022

التربية الإيمانية أساس مكافحة الفساد الأخلاقي | أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي

 

   التربية الإيمانية
 أساس مكافحة الفساد الأخلاقي

   أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي


 بسم الله الرحمن الرحيم

     لا يخفى على البصير أن (الفساد الأخلاقي) له آثار وخيمة على الفرد، وتمتد إلى الأمة في أساسها (الديني)، وبنيتها (الاقتصادية)، وقوتها (العسكرية)، وترابطها (الاجتماعي)، وحالتها (الصحية والنفسية)..، فتنحرف بذلك المجتمعات، ويدب فيها الوهن والضعف، فيتكالب الأعداء، وتتمزق العلاقات..، كل ذلك بسبب البعد عن دين رب الأرض والسماوات.
     و(الفساد الأخلاقي) ومظاهره من أهم القضايا التي أرقت قلوب الغيورين ، وشغلت بال المصلحين ، إلا أن الأنظار قد اختلفت - فيما بينهم- حول ماهية الطريق الأمثل و(الأساس) الذي فيه المخرج من هذا الواقع المؤلم، فمع اختلاف نظراتهم تتفاوت طرائقهم المنبثقة من هاتيك النظرات، مما يؤدي – حتما- إلى واقع سيء آخر أثمره ذاك (الاختلاف الفكري)!، و(التباين العملي) بين هؤلاء المصلحين أنفسهم ..

    ولو أن هؤلاء المصلحين – أصلحنا الله وإياهم – سددوا نظرتهم، وعمقوا فكرتهم، وسلكوا مسلك سلفهم الصالح، وانطلقوا في إصلاحهم من واقع يعيشونه، وحاضر يحيونه (!)، لرأوا جميعا أن "أصل" الإصلاح عموما، و"أساس" مكافحة الفساد الأخلاقي خصوصا بينة أمامهم، ظاهرة قدامهم، تتمثل في إصلاح الأنفس أصالة، وأن يكون الجهد (الغالب) في تعميم التربية الإيمانية على طبقات الأمة1، مع الإشارة إلى أن السير الحثيث على هذا النهج القويم لا يمنعنا من الحديث وربما العمل - وقد يجب- في القضايا التي تعرض للمجتمعات..، ومن الكلام وربما الولوج في الحوادث التي تنزل بالأمة..، كل ذلك بـ ( شرطه وضابطه )! وفي (محله وبحسبه ومقداره)!، ( ومن أهله وأربابه )!، وفق ( العلم الأثري)!!، و(النهج السلفي)!!، وبمبعدة عن (الحَوَل الفكري)!!..، وبعيدا عن (الحماس الشَمْعِي2)!!..

     " فصلاح النفس هو صلاح الفرد، وصلاح الفرد هو صلاح المجموع، والعناية الشرعية متوجهة كلها إلى إصلاح النفوس، إما مباشرة وإما بواسطة، فما من شيء مما شرعه الله تعالى لعباده من الحق والخير والعدل والإحسان إلا وهو راجع عليها بالصلاح، وما من شيء نهى الله تعالى عنه من الباطل والشر والظلم والسوء، إلا وهو عائد عليها بالفساد، فتكميل النفس الإنسانية هو أعظم المقصود من إنزال الكتب وإرسال الرسل، وشرع الشرائع "3.

    إن   (أساس) الفساد الأخلاقي هو الإنسان ذاته، ونفسه الأمارة بالسوء، فإن صلحت واستقام أمره، نأى عن كل فساد، وإن أخذ ذات الشمال أو ذات اليمين غرق في أوحاله، وجر على مجتمعه ويلاته.

   وعليه فأي جُهد شرعي لمكافحة الفساد الأخلاقي وإنكاره من (الانحلال عن أحكام الدين بترخيص الإجهاض – مثلا – وفتح بابه) لخرق حجاب تعظيم الحرمات الشرعية، و( ذيوع الغش والخيانات، والاستبداد والاختلاسات) حرصا على المصالح الشخصية، والمكاسب الدنية، و ( وظهور الفواحش والانحرافات الجنسية ، وإقامة ما اختلت به "الموازين"؟! من المهرجانات 4) لإشباع الرغبات النفسية، وإضلال البرية، و (انتشار المسكرات والمخدرات، وإقامة الحفلات والمسلسلات والأفلام التي ملكت القلوب الضعيفة) ففسدت أحوال الرعية، وصارت الأخلاق شيطانية... إلى غير ذلك دون مراعاة ما هو أساس في عملية الإصلاح بتحقيق (التربية الإيمانية) تكون ثمرته ضعيفة في الحقيقة بحيث سرعان ما تضمحل آثاره، لأن القلوب خربة، والنفوس معوجة..، فإن (سلطان القلوب والأرواح) هو الأصل الذي يحرص عليه (غالبا) أرباب الإصلاح حقا، أما ( مجرد ) سلطان الأبدان والأشباح) فعارض سريع الزوال لأن طريقه "الرهبة"، أما الأول فبابه "الرغبة"..، فتأمل وبالعلم تجمل.

     فـ (التربية الإيمانية) هي الحل الأمثل في كل عملية إصلاحية، لأن وازع القرآن هو الأصل، ثم وازع السلطان هو الرافد المساعد.

     يقول شيخ الإسلام -رحمه الله-:" .. وذلك أن الله يقول في كتابه : ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب)، فأخبر أنه أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنه أنزل الحديد كما ذكره، فقوام الدين بالكتاب الهادي والسيف الناصر: ( وكفى بربك هاديا ونصيرا )، و(الكتاب هو الأصل)؟!، ولهذا أول ما بعث الله رسوله أنزل عليه الكتاب،  ومكث بمكة لم يأمره بالسيف حتى هاجر وصار له أعوان على الجهاد"5.

    فانظر كيف جعل (الكتاب هو الأصل)!..، وأما السلطان فناصر...، وبهذا يفهم الكلام المأثور: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، فافهم وإياك والوهم، وبيانه على وجه الاختصار بالمثال فأقول: أن الخمر لا تروج في سوق المسلمين إذا كان الهداة قد اجتهدوا في هداية الناس وتربيتهم إيمانيا – عقيدة وعبادة وسلوكا – هكذا نصحا وبيانا ارتقاء إلى مستوى مجموع الناس6 ( = جماعة المسلمين )، فهنالك تختفي البضاعة المحرمة، لأنه لم يبق لها طلاب، وربما بقي بعض يعاقرونها، فهنا يظهر السلطان الصالح بسوطه فيصلح ما لم يصلحه البيان والوعظ أولا وليُبْقِي على الأمر الصالح ثانيا7، وأما أن يُعكس الفعل فيسلط السلطان من أول يوم، فلا يستقيم الحال..

     قال تعالى:( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )، فـ " أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يغير ما بقوم حتى يقع منهم تغيير، كما غير الله بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة ما بأنفسهم "8.

          فالتغيير تغييران:

-  تغيير الأنفس والأعمال، وهو على العبد بتوفيق الله له.
-   وتغيير الواقع والحال، وهو على الرب سبحانه بمنته وفضله.
      وهما متتاليان لا يتحقق الثاني إلا بتحقق الأول "شرطا"، ومن عكس الأمر يناله ما في قوله تعالى:( أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم ).

 قال العلامة محب الدين الخطيب – رحمه الله - :" وقد يظن من لا نظر له في حياة الشعوب وسياستها أن الحاكم يستطيع أن يكون كما يريد أن يكون، وهذا خطأ فـ (للبيئة التأثير في الحاكم، وفي نظام الحكم) أكثر مما للحاكم ونظام الحكم من التأثير على البيئة، وهذا من معاني قول الله عز وجل : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )"9.
ومنه فإن الأنظمة المُحكمة، و " الحَكَامة الجيدة " لمكافحة الفساد الأخلاقي – خاصة - إن افتقدت (أصل) التربية الإيمانية فسوف تفقد قوتها وسلطانها تلقائيا، بل تفقد حياتها وروحها، ومن السهل – عنذئذ – أن يقع من الناس التحايُل على إخضاع الأمر في الواقع الحالي، والتهرب من ذلك اعتمادا على (التأويل الدني)!!!، والتماس المخارج بـ "الفراغ القانوني" !!!

     فالغيث مع أنه صالح في ذاته لكنه يحتاج إلى أرض خصبة حتى ينبت فيها النبت الطيب فيأتي أكله كل حين بإذن ربه.
     إن الانغماس الرهيب في (الفساد الأخلاقي) يقتضي من أي نظام - كي يوقف زحفه، ويقلم مخالبه -، أن يضع شرطيا ورقيبا على كل فرد في المجتمع، وهذا واضح البطلان (لاستحالته عادة)، وعندها نقول: بإمكاننا إيجاد هذا الشرطي والرقيب، لكن في النفوس، إنه ( الرقيب المعنوي الذاتي )!، أو ( الوازع الديني الإيماني )!...

    فـ (التربية الإيمانية) – إذن - هي "الأساس" لمكافحة الفساد الأخلاقي ولن نمل من بيان ذلك وتَكراره – وإن اتهمنا بالانهزامية والسلبية بغير حق(!!)- لأنه أصل ثابت في "فقه الإصلاح والاستصلاح" عند أهل السنة السنية، ولذا فالواجب أن (يَغْلب) علينا تقرير ذلك علما وعملا، أما أن يصير فينا (ضعيفا)!، والتطرق له في كلامنا (عَرَضا)! وعلى استحياء فهو بُعْد عن دلائل السنة والقرآن، وخلل في النظر لاختلال الميزان، وإذا لم نَفِق في غمرة الأحداث من الغفلة عن ذلك فهو عين الخذلان..، والله المستعان..

   يقول الفقيه الحجوي الثعالبي – رحمه الله – في رسالته (تفسير العشر الآي الأول من سورة المؤمنين ) :" تضمنت هذه الآيات العشر مكارم الأخلاق التي جاء عليه السلام متمما لها، فقد أمرت بـ (الإيمان) الذي هو (منبع) الأخلاق الجميلة في بني الإنسان، إذ الإيمان يتضمن الإيمان باليوم الآخر، وأنه لابد من يوم يسأل العبد فيه بين يدي مولاه، إن أحسن جوزي بالإحسان، والضد بالضد، وهذه (العقيدة) هي (الزاجر الأكبر) عن ارتكاب الأخلاق السافلة 10، من : غش، وخديعة، وكذب، وزور، وظلم، وسوء خُلق، وتتحسن بسببها الأخلاق، فيصبر، ويتحمل لمن جهل عليه...
     فـ (الغفلة) عن هذه العقيدة هي (أساس) كثير من الأخلاق السافلة، ولذلك لا تجد سورة في القرآن إلا وهي مذكرة باليوم الآخر، وأهوال القيامة لتصير الأخلاق العالية ملكة راسخة في المسلمين " 11.

     فـ (التربية الإيمانية) والتي حقيقتها ربط المكلف بأصول الإيمان، و تربيته على العمل وفق الإحسان هي الوازع من نفس الإنسان ليجتنب الفساد الأخلاقي، وعند وقوعه في شيء من ذلك سرعان ما يتوب ويؤوب..

   قال العلامة ابن عاشور – رحمه الله – عند تفسير سورة هود في سياق دعوة نبي الله شعيب – عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام – لقومه :" فـ (ابتدأ)12 بالأمر بـ (التوحيد) لأنه (أصل الصلاح)، ثم أعقبه بالنهي عن مظلمة كانت متفشية فيهم وهي (خيانة المكيال والميزان)....، وسلك في نهيهم عن الفساد مسلك (التدرج)، فـ (ابتدأه)13 بنهيهم عن نوع من الفساد فاش فيهم وهو (التطفيف)، ثم ارتقى فنهاهم عن (جنس) ذلك النوع وهو (أكل أموال الناس)، ثم ارتقى فنهاهم عن (الجنس الأعلى) للفساد الشامل لجميع أنواع المفاسد وهو (الإفساد في الأرض كله)، وهذا من أساليب (الحكمة في تهيئة النفوس بقبول الإرشاد والكمال)؟!"14.

 والناظر في آيات الكتاب والأحاديث والآثار يجد تأصيل ذلك، حيث يجد المتأمل كيف يُعَقِّب الله تعالى بعد آيات في الباب من كتابه بقوله :( إن كنتم مؤمنين ).
    فاقرأ معي قوله تعالى:( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ).
    وقال تعالى :( وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ).
    وقال تعالى :( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ).
    وهكذا أيضا في العديد من الآيات التي استهلها الله تعالى بقوله :( يا أيها الذين آمنوا )، وما ذكر بعدها من الأوامر والتوجيهات، بحيث رُبطت الأحكام بأصل (التربية الإيمانية)، أي : هي الباعث والسبب على امتثال الأمر واجتناب النهي..

   وهذا هو المسلك نفسه الذي سلكه الرسول - عليه الصلاة والسلام- في التغيير والإصلاح حيث كان يفتتح أحاديثه بأصل (التربية الإيمانية) للتدليل على أن مكافحة الفساد الأخلاقي خاصة أساسه تغيير الأنفس، ومن ذلك قوله - عليه الصلاة والسلام-:" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعدن على مائدة يدار عليها الخمر.."15.

   وقد لخصت ذلك أمنا عائشة - رضي الله عنها- بقولها: " .. إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا تاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدا.."16.

    قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله- عند هذا الأثر:".. أشارت إلى الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل وأن (أول) ما نزل من القرآن الدعاء إلى (التوحيد) والتبشير للمؤمن والمطيع بالجنة، وللكافر والعاصي بالنار، فلما (اطمأنت) النفوس على ذلك أنزلت الأحكام، ولهذا قالت: ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندعها، وذلك لما طبعت عليه النفوس من النفرة عن ترك المألوف.."17.

    وختاما: فليعلم أن (المنطلق) لتحقيق التربية الإيمانية هو العلم النافع الباعث على العمل الصالح ،" فنعمة العلم في استعمال الفضائل عظيمة، وهو أنه يعلم حسن الفضائل فيأتيها، ويعلم قبح الرذائل فيجتنبها، ويسمع الثناء الحسن فيرغب في مثله، والثناء الرديء فينفر منه، فعلى هذه المقدمات يجب أن يكون للعلم حصة في كل فضيلة، والجهل حصة في كل رذيلة"18.

.............................................


1. قال العلامة محمد الخضر حسين -رحمه الله - :" تعميم التربية بين طبقات الأمة شيء واجب، لا ينتظم لها العيش الناعم بدونه، ولا تشرق صحائف تاريخها بسواه " حياة الأمة ص:25.
2.  قال شيخ الإسلام – رحمه الله - :" وكثير من الناس إذا رأى المنكر أو تغير كثير من أحوال الإسلام، جزع وكَلَّ وناح كما ينوح أهل المصائب، و(هو منهي عن هذا)!، بل (مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين الإسلام)!، وأن يؤمن بالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن العاقبة للتقوى، و(أن ما يصيبه فهو بذنوبه)!، فليصبر إن وعد الله حق، وليستغفر لذنبه، وليسبح بحمد ربه بالعشي والإبكار " الفتاوي 18/291.
3. قاله العلامة ابن باديس -رحمه الله- كما في آثاره 1/232-233.
  4 . نبرأ إلى الله مما يجري في هذه (المهرجانات)!! من فحش وعري..، وتصرفات فاضحة فادحة..، وشهوات تؤجج..، وزينة هدامة..، وتنافس فتان..، وهل بهذه "المنكرات" نريد أن نثقل (موازيننا)!! في الآخرة ، والله تعالى يقول : (فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ (مَوَازِينُهُ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ (مَوَازِينُهُ) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ)..
    وأحب – بهذا الصدد – أن أنبه على أمرين اثنين إضافة إلى أصل موضوع هذه المقالة فتنبه:
   أ. إنكار هذه (الأفعال الشنيعة) يجب أن نراعي فيه (المقصد الأصلي)؟!، وهو إنكارنا لذلك لأن الله (تعبدنا)! بالبعد عنها ، واجتنابها وعدم التلبس بها، ولأجله حرَّمها علينا أصالة(!)، وهذا هو (الأصل) الذي ينبغي أن (يُغلَّب) و(نقيم) عليه إنكارنا(!)، أما تغليب – ولا أقول عدم اعتباره أبدا (!) - (المقصد التبعي) من إضاعة (المال العام) – مثلا - بإقامة مثل هذه المهرجانات، ونجعله (أساس) الإنكار، ونُصيِّره (مقصدا أصليا)!، فهو (منهج حَركي)! يُخالف (جادة الشريعة) في الإنكار وهو المعروف عند أهل العلم ب " التفسير ( النفعي) للإسلام "! وهو باطل فتأمل ولا تعجل.

  ب. بعض (الناس)!! بدعوى إنكار ما يجري في هذه المهرجانات والتحذير من ذلك وبيان فضاعته ينشرون صورا فاضحة لذلك، وهذا (محرم) لا يجوز لأنه (لا حاجة شرعية) في هذه الحالة وعلى هذا المسلك (؟!!)، فـ (الغاية لا تسوغ الوسيلة)؟!!، ولا (يُنْكَرُ المُنْكَرُ بالمُنْكَرِ)؟!!، إضافة إلى أن نشر مثل ذلك يسبب (تبلدا في الإحساس)؟!!، مما يحمل – مع الوقت – على صيرورة ذلك أمرا عاديا (لا تتوجع له النفس)، و(لا يتألم له القلب) فـ " فكثرة المساس تذهب الإحساس "!، فالحذر الحذر من (صِناعة التبلد )!! في صورة  (الإنكار والصدع بالحق )؟!!...، والحذر الحذر من ( التخدير باسم التحذير ) !!..

    وحقيقة يجب على كثير من ((الناس)! أن يتركوا باب الدعوة لعدم فقههم لأمورها عموما – إلا في مسائل لا تخفى تأصيلا وتنزيلا – حيث يقع من الفساد بصنيعهم ما يقع من حيث أنهم يريدون الإصلاح .. والله المستعان.
5. مجموع الفتاوي 28/234، وقال أيضا -رحمه الله-:" ودين الإسلام : أن يكون السيف تابعا للكتاب، فإذا ظهر العلم بالكتاب والسنة وكان السيف تابعا لذلك كان أمر الإسلام قائما " الفتاوي 20/393.
6. و" من استطال الطريق ضعف مشيه " بدائع الفوائد 3/732، و الفوائد 78 كلاهما للإمام ابن القيم -رحمه الله-.
7. عند إيراد قوله تعالى:( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) في معرض الحديث عن (فقه الإصلاح) عند أهل السنة والحديث، يقابل بعضهم ذلك بما صح عن الصديق -رضي الله عنه- لما قال:" ما استقامت بكم أئمتكم "، دون الرجوع إلى الرواية لضبط "سياقها"!، حيث أن كلام الصديق -رضي الله عنه- هذا كان جوابا عن سؤال يخص (البقاء على الصلاح)!!، وهذا هو المقصود من قول العلماء:" بصلاح الأمراء صلاح الناس "، ولم يكن السؤال عن الطريقة التي يستصلح بها الفساد، أو يؤسس عليها الإصلاح، فتذكر ولا تتنكر ..
روى الإمام البخاري - رحمه الله - في صحيحه برقم :3622 عن قيس ابن أبي حازم قال : "دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تكلم فقال ما: لها لا تكلم ؟ قالوا حجت مصمتة قال لها تكلمي فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت فقالت: من أنت ؟ قال امرؤ من المهاجرين، قالت: أي المهاجرين ؟ قال من قريش، قالت: من أي قريش أنت ؟ قال: إنك لسؤول، أنا أبو بكر، قالت: (ما بقاؤنا) على هذا الأمر الصالحالذي جاء الله به بعد الجاهلية ؟ قال بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم، قالت وما الأئمة ؟ قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم ؟ قالت بلى قال فهم أولئك على الناس".
قلت : فانظر قولها: " ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح؟ "، قال الحافظ في الفتح7/151:" قولها: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح، أي: دين الإسلام وما اشتمل عليه من العدل واجتماع الكلمة ونصر المظلوم ووضع كل شيء في محله".
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-:" ومعلوم أنه إذا استقام ولاة الأمور الذين يحكمون في النفوس والأموال استقام عامة الناس كما قال أبو بكر الصديق فيما رواه البخاري في صحيحه للمرأة الأحمسية لما سألته فقالت : " ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح " ؟ قال : ( ما استقامت لكم أئمتكم ).." الفتاوي 10/354.
8. الجامع لأحكام القرآن 9/294 للإمام القرطبي -رحمه الله-.
9. التعليق على كتاب (العواصم من القواصم ) ص: 77.
10. قال العلامة محمد الخضر حسين – رحمه الله - :" فإذا (زاغت) العقائد، كانت أعمال صاحبها بمنزلة من يرمي عن قوس معوجة، أو يضرب برمح غير مستقيم " الدعوة إلى الإصلاح ص: 121.
11. ص: 132- 133.
   12. وهذه ( بداءة حقيقية )؟!، فـ (التوحيد والإيمان) هو "الأصل والأساس" الذي يبنى عليه غيره فتأمل.
13. والقصد بهذه (البداءة) : " الإضافية "؟!، وليست (الحقيقية) كما يقول علماء البلاغة، والمعنى: أن الابتداء بذلك كان بعد (النهي عن الشرك وتقرير الإيمان والتوحيد) كما هو واضح من الكلام السابق، أي: النهي عن التطفيف إضافة إلى النهي عن الشرك مع الدعوة إلى الإيمان، وهذا هو الشاهد من إيراد هذا النص من كلام ابن عاشور – رحمه الله – فتذكر.
14.التحرير والتنوير11/309-311.
15. أنظر صحيح الترغيب والترهيب للإمام الألباني -رحمه الله- 1/40.
16. رواه الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه برقم: 4707.
17. فتح الباري 9/40.
18. مداواة النفوس ص: 25 للإمام ابن حزم -رحمه الله-.

 
   كتبه :
   أبو أويس رشيد بن أحمد الإدريسي الحسني - عامله الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي -

الـرقية من السحر والحسد | صلاح نجيب الدق

 

الـرقية من السحر والحسد

صلاح نجيب الدق

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

يقـول الـمـريـض:

(1) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)   (الفاتحة)

((2 (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ   حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) ( البقرة: 255 )     

((3 (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)   (البقرة: 285: 286)

(4)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) (الإخلاص)

((5بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ)  ( سُورة: الفَلَق )

(6) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) ( سُورة: النَّاس )

(7)( أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ ، وَشَرِّ عِبَادِهِ ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَنْ يَحْضُرُونِ)  ( حديث حسن )  ( صحيح أبي داود ـ للألباني ـ حديث 3294 )

(8)  (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) ( مسلم  ـ حديث 2708 )

(9)  (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ) (البخاري  ـ حديث 3371)

(10) يَضَعُ الْـمَرِيضُ يَدَهُ عَلَى مَكَانِ الأَلَمِ مِنْ جَسَدِهِ ، وَيَقُولُ: (بِسْمِ اللَّهِ)  (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)   وَيَقُولُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ)  (سَبْعَ مَرَّاتٍ)  (  مسلم ـ حديث: 2202 )

 

يقـول الـمعـالـج للمـريـض:

(1) (بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ،مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ،اللهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ) (مسلم ـ حديث2186 )

 (2)( اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ البَاسَ ، اشْفِهِ ، وَأَنْتَ الشَّافِي ، لاَ شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ ، شِفَاءً لاَ يُغَادِرُ سَقَمًا) (البخاري ـ حديث: 5743)

(3)  (بِاسْمِ اللهِ يُبْرِيكَ ، وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيكَ ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ، وَشَرِّ كُلِّ ذِي عَيْنٍ) (مسلم  ـ حديث 2185)

(4) ( امْسَحِ البَاسَ رَبَّ النَّاسِ ، بِيَدِكَ الشِّفَاءُ ، لاَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا أَنْتَ )  ( البخاري ـ حديث: 5744  )

(5) ( أَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ ، رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ )   ( سَبْعَ مَرَّاتٍ )  ( حديث صحيح ) (مسند أحمد ـ جـ4 ـ صـ40 ـ حديث2137 )

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

 

الاثنين، 3 يناير 2022

التمائم في ميزان العقيدة | محمد بن إبراهيم السبر

التمائم في ميزان العقيدة

محمد بن إبراهيم السبر

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

عباد الله: لقد أرسل الله تعالى نبينا محمداً ﷺ بالعقيدة الصحيحة القائمة على توحيد الله وإفراده بالعبادة، وقطع العلائق عما سواه من الخلائق، فجاهد في الله حق جهاده؛ حتى أقام الملة، وأوضح المحجة فلا يزيغ عنها إلا هالك، وقد كان ﷺ حريصاً على تعليق أمته بالله فهو النافع الضار، الرازق المعطي لا إله إلا هو، ولا رب سواه، حريصاً على إزالة آثار الشرك والوثنية؛ ففي الصحيح عن أبي بشير الأنصاري: " أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فأرسل رسولاً ألا يُبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة؛ إلا قطعت". فأمر ﷺ بقطع الأوتار التي كان أهل الجاهلية يعلقونها على دوابهم اعتقادًا منهم أنها تعصمهم من العين والآفات، وتدفع عنهم المكاره؛ وهذا الفعل من صور تعلق القلب بغير الله، ومناف لكمال التوحيد، فتعليق التمائم ‏شِرْكٌ أَصْغَرٌ، وتكون شركاً أكبر؛ إذا اعتقد أنها تنفع أو تضر بذاتها من دون الله، قال ﷺ: "من تعلق تميمة فلا أتم الله له"، وفي رواية: "من تعلق تميمة فقد أشرك" رواه أحمد، وعن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت إن عبد الله رأى في عُنقي خيطًا، فقال: ما هذا؟ قلت: خيط رُقي لي فيه، قالت: فأخذه ثم قطعه، ثم قال: أنتم آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك»، أخرجه ابن ماجه وأبو داود وأحمد.

والرقى كلام يتلى على المريض طلباً لشفائه، ومعنى الحديث: أن الرقى التي تكون بألفاظ شركية أو لا يعرف معناها أو بأسماء الجن والشياطين أو ما أشبه ذلك فهي ممنوعة. ‏والتمائم: جمع تميمة سميت بذلك: لأن العرب كانوا يعتقدون أنها تمام الدواء والشفاء، قال ابن الأثير: التمائم خرزات كان العرب يعلقونها على أولادهم يتقون بها العين.

والتولة ضرب من السحر، ويسمي الصرف والعطف. قال الأصمعي هو ما يحبب المرأة إلى زوجها ويكتب في الورق أو يقرأ على الخيط.

وإنما كانت هذه الأعمال شركاً إما لأن الكلام الذي تتضمنه تلك الرقى والتمائم والتولة كان مشتملاً على معنى الشرك، أو لأن اعتقاد فعلها بنفسها يقضي إلى الشرك، فاعتقاد أن هذه التمائم تنفع أو تضر بذاتها شرك أكبر، وذنب لا يغفر، واعتقاد أنها مجرد سبب للنفع أو الضر شرك أصغر، ومن علق شيئًا يشبه هذه التعاليق الشركية بقصد الزينة من غير اعتقاد لنفعها فحرام؛ لعلة المشابهة لأهل الشرك. قال علي رضي الله عنه :" إن كثيرًا من هذه الرقى والتمائم شرك، فاجتنبوها " .

ومن صور التمائم الشركية ما يُعلق على الدابة أو السيارة أو الدكان؛ اعتقادًا أنه يدفع البلاء، أو يجلب الرزق، كالقلادة من وتر، أو الخرق السوداء، أو الِقَرب البالية، وما كان على شكل حذاء صغير أو تمثال حيوان، وأحيانا توضع التميمة في تعاليق جلدية صغيرة، أو خرزات أو عظام، أو أساور من نحاس، أو خواتم، أو عين زرقاء؛ ويسمونها تعويذة، أو حرزا، أو حجابا، يزعمون أنها ترد العين والأذى.

ومنها ما يُعلق على الدار، أو الدكان، اعتقادًا أنه يدفع البلاء أو يحل البركة في المكان، كالدراهم الفضية القديمة، أو حذوة فرس، أو رأس ذئب، أو رأس غزال، وقد تكون من أشياء عديدة على حسب ما يعتقده واضعوها.

أما التمائم المشتملة على القرآن والأدعية النبوية، منعها بعض السلف كابن مسعود وحذيفة رضي الله عنهما؛ والراجح أنها لا تجوز لعموم النهي، وسداً للذريعة لئلا يُعلق ما هو شرك، ولأنها عرضة للامتهان عند دخول الخلاء، أو النوم عليها، ولو كان تعليق تمائم القرآن جائزًا لأمر به ﷺ فقد كان يرقى ورُقى له، وليس في الكتاب والسنة ما يدل على إجازة تعليق شيء من القرآن.

عباد الله: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، قَالَ: كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ فَقَالَ: " اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ " فهذا الحديث يدل على جواز الرقى، ما لم يكن بها شرك، وما لم تكن ذريعة للشرك، والرُقى رخص فيها النبي ﷺ من العين والحُمة.

"وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بذات الله تعالى، واختلفوا في كونها شرطا والراجح أنه لا بد من اعتبار الشروط المذكورة". الفتح (10/195). وتكون الرقية بالنفث على المريض مباشرة أو تقرأ في ماء ويشربه المريض.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم..

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، واعلموا أن الواجب على المسلم أن يُعلق قلبه بالله ويفوض أمره إليه، ويفعل السبب المشروع؛ وهذا هو التوكل بعينه: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ)، وفي الحديث "من تعلق شيئًا وكل إليه"رواه أحمد والترمذي. والتعلق يكون بالقلب، ويكون بالفعل، ويكون بهما جميعًا، فمن تعلق شيئًا وكله الله على ذلك الشيء الذي تعلقه، فمن تعلق بالله، وأنزل حوائجه به، والتجأ إليه، وفوض أمره إليه كفاه، ومن تعلق بغيره، أو سكن إلى رأيه وعقله ودوائه وتمائمه ونحو ذلك، وكله الله إلى ذلك وخذله، (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)، والله وحده هو القادر، وهو القاهر فوق عباده، وبيده وحده تصريف الأمور ولا يعلم الغيب سوى الله تعالى.

ومما يشرع فعله لرفع البلاء أو دفعه فعل الأسباب المشروعة، فقد كان النبي ﷺ يأخذ بالأسباب مع اعتماده على المسبب، وهو الله عز وجل، والرقية الشرعية، والأذكار والأدعية المأثورة، وقراءة الفاتحة وآية الكرسي والمعوذتين فمتى لزمتها حفظت وكُفيت من الشرور بحول الله، قال ابن عباس: اتفل بالمعوذتين ولاتُعلق.

وما يدفع البلاء المحافظة على الصلاة، والصدقة، والأعمال الصالحة، والبعد عن المعاصي وأهلها، كل ذلك يجلب الطمأنينة والحياة السعيدة.

اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق ولي أمرنا ونائبه لكل خير.

اللهم أعذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا وموتى المسلمين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


حكم الإحداد على الملوك والزعماء | الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (رحمه الله)

حكم الإحداد على الملوك والزعماء الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (رحمه الله) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه و...