الخميس، 16 ديسمبر 2021

شهوة النساء 2 | عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

 

شهوة النساء 2

عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

وقد تحدث شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن النظر المحرم، وما يؤول إليه من الوقوع في الفواحش.. بل وقد ينتهي بصاحبه إلى الشرك بالله تعالى فكان مما قاله: [وأما النظر والمباشرة فاللمم منها مغفور باجتناب الكبائر، فإن أصر على النظر أو على المباشرة صار كبيرة، وقد يكون الإصرار على ذلك أعظم من قليل الفواحش؛ فإن دوام النظر بالشهوة وما يتصل به من العشق والمعاشرة والمباشرة أعظم بكثير من فساد زنا لا إصرار عليه؛ ولهذا قال الفقهاء في الشاهد العدل: ألا يأتي كبيرة، ولا يصر على صغيرة. بل قد ينتهي النظر والمباشرة بالرجل إلى الشرك، كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ...[165]}[سورة البقرة] . ولهذا لا يكون عشق الصور إلا من ضعف محبة الله وضعف الإيمان. والله تعالى إنما ذكره في القرآن عن امرأة العزيز المشركة، وعن قوم لوط المشركين][ مجموع الفتاوى، 15/292، 293].

وقال ابن القيم رحمه الله: [وقد جعل الله سبحانه العين مرآة القلب فإذا غضّ العبد بصره، غضّ القلب شهوته وإرادته، وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته...- إلى أن قال-: والنظرة إذا أثّرت في القلب، فإن عجل الحازم، وحسم المادة من أولها؛ سهُل علاجه، وإن كرر النظر، ونقّب عن محاسن الصورة ونقلها إلى قلب فارغ فنقشها فيه؛ تمكنت المحبة، وكلما تواصلت النظرات كانت كالماء يسقي الشجرة، فلا تزال شجرة الحب تنمو حتى يفسد القلب، ويعرض عن الفكر فيما أمر به، فيخرج بصاحبه إلى المحن، ويوجب ارتكاب المحظورات والفتن][روضة المحبين، ص92، 94، 95].

ومن أشد الوسائل ضررًا وشرًا: اختلاط النساء بالرجال: فإن هذا الاختلاط أنكى وسيلة في الانغماس في الفواحش والقاذورات، وقد كثر في هذا الزمان من يطالب بهذا الاختلاط ويدعو إليه؛ حيث ينادون بمزاحمة النساء للرجال في جميع المجالات والأعمال، زاعمين أنهم يريدون الخير والإصلاح لمجتمعاتهم، ألا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون.

قال ابن القيم متحدثًا عن مفاسد الاختلاط: [ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة.. وهو من أسباب الموت العام والطواعين المهلكة. ولما اختلط البغايا بعسكر موسى عليه السلام، وفشت فيهم الفاحشة أرسل الله عليهم الطاعون فمات في يوم واحد سبعون ألفًا، والقصة مشهورة في كتب التفسير؛ فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزنا بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، والمشي بينهم متبرجات متجملات][ الطرق الحكمية، ص259].

الانكباب على الشهوات سببه ضعف التوحيد: فإن القلب كلما كان أضعف توحيدًا، وأقل إخلاصًا لله تعالى كان أكثر فاحشة وشهوة [انظر: الفوائد، لابن القيم، ص75]. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة: [وهذا-أي: العشق والشهوات- إنما يبتلى به أهل الإعراض عن الإخلاص لله الذين فيهم نوع من الشرك، وإلا فأهل الإخلاص، كما قال الله تعالى في حق يوسف عليه السلام:{...كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ[24]}[سورة يوسف]. فامرأة العزيز كانت مشركة فوقعت مع تزوجها فيما وقعت فيه من السوء، ويوسف عليه السلام مع عزوبته، ومراودتها له، واستعانتها عليه بالنسوة، وعقوبتها له بالحبس على العفة، عصمه الله بإخلاصه له؛ تحقيقًا لقوله: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ[82]إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ[83]}[سورة ص]، قال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ[42]}[سورة الحجر]. والغي هو اتباع الهوى][ مجموع الفتاوى، 51/421].

الافتتان بالنساء والولع بهن يورث أنواعًا من العقوبات والمفاسد في الدنيا والآخرة:

تحدث شيخ الإسلام ابن تيمية عن عقوبات الشهوة المحرمة، فكان مما قاله: [فأما من استعبد قلبه صورة محرمة: امرأة أو صبي، فهذا هو العذاب الذي لا يَدان فيه، وهؤلاء من أعظم الناس عذابًا وأقلهم ثوابًا؛ فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقًا بها، مستعبَدًا لها، اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد. ومن أعظم هذا البلاء إعراض القلب عن الله؛ فإن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله والإخلاص له، لم يكن عنده شيء قط أحلى من ذلك، ولا ألذ ولا أطيب][ مجموع الفتاوى، 10/187].

وقال ابن القيم: [وليعلم اللبيب أن مدمني الشهوات يصيرون إلى حالة لا يلتذون بها، وهم مع ذلك لا يستطيعون تركها؛ لأنها قد صارت عندهم بمنزلة العيش الذي لا بد لهم منه، ولهذا ترى مدمن الخمر والجماع لا يلتذ بهما عشر معشار من يفعله نادرًا في الأحيان][روضة المحبين، ص470].

علاج شهوة النساء:

بعد أن فصّلنا الحديث عن هذه الشهوة نورد علاجها وسبيل النجاة منها، وقد بسط أبو الفرج ابن الجوزي في 'ذم الهوى' وابن القيم في 'روضة المحبين' الحديث عن العلاج، قال ابن الجوزي: [فإن تكرار النظر قد نقش صورة المحبوب في القلب نقشًا متمكنًا؛ وعلامة ذلك: امتلاء القلب بالحبيب؛ فكأنه يراه حالاّ في الصدر، وكأنه يضمه إليه عند النوم ويحادثه في الخلوة، فاعلم أن سبب هذا الطمع في نيل المطلوب، وكفى بالطمع مرضًا، وقلّ أن يقع الفسق إلا في المطموع فيه؛ فإن الإنسان لو رأى زوجة الملك فهويها لم يكد قلبه يتعلق بها؛ لأجل اليأس من مثلها. فأما من طمع في شيء فإن الطمع يحمله على طلبه، ويعذّبه إن لم يدركه.. وعلاج هذا المرض: العزم القوي على البعد عن المحبوب، والقطع الجازم على غض البصر عنه، وهجران الطمع فيه، وتوطين النفس على اليأس منه].

وقال في موضع آخر: [ومما يُداوى به الباطن أن تفكّر، فتعلم أن محبوبك ليس كما في نفسك، فأعمل فكرك في عيوبه تَسْلُ؛ فإن الآدمي محشوّ بالأنجاس والأقذار، وإنما يرى العاشق معشوقه في حال الكمال، ولا يُصور له الهوى عيبًا؛ لأن الحقائق لا تنكشف إلا مع الاعتدال، وسلطان الهوى حاكم جائر يغطي المعايب، فيرى العاشق القبيح من معشوقه حسنًا. ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: [إذا أعجبت أحدَكم امرأةٌ فليذكر مناتنها[.

وأما ما حرّره ابن القيم في سبيل التخلص من شراك هذه الشهوات، فنختار منها بعضها:

فمن ذلك قوله: [التفكر في أنه لم يُخلق للهوى، وإنما هُيّئ لأمر عظيم لا يناله إلا بمعصيته للهوى كما قيل:

قد هيؤوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهملِ

]أن يأنف لنفسه من ذل طاعة الهوى؛ فإنه ما أطاع أحد هواه قط إلا وجد في نفسه ذلاّ، ولا يغتر بصولة أتباع الهوى وكِبرهم؛ فهم أذل الناس بواطنَ، قد جمعوا بين خصلتي الكبر والذل[

]أن يعلم أن الهوى ما خالط شيئًا إلا أفسده، فإن وقع في العلم أخرجه إلى البدعة والضلالة وصار صاحبه من جملة أهل الأهواء، وإن وقع في الزهد أخرج صاحبه إلى الرياء ومخالفة السنة، وإن وقع في الحكم أخرج صاحبه إلى الظلم وصدّه عن الحق، وإن وقع في الولاية والعزل أخرج صاحبه إلى خيانة الله والمسلمين حيث يولّي بهواه ويعزل بهواه[.

]إن اتباع الهوى يغلق عن العبد أبواب التوفيق، ويفتح عليه أبواب الخذلان، فتراه يلهج بأن الله لو وفّقه لكان كذا وكذا، وقد سدّ على نفسه طرق التوفيق باتباعه هواه. قال الفضيل بن عياض: من استحوذ عليه الهوى واتباع الشهوات انقطعت عنه موارد التوفيق[

]إن التوحيد واتباع الهوى متضادان، فإن الهوى صنم ولكل عبد صنم في قلبه بحسب هواه، وإنما بعث الله رسله بكسر الأصنام وعبادته وحده لا شريك له، وليس مراد الله تعالى كسر الأصنام المجسّدة وترك الأصنام التي في القلب، بل المراد كسرها من القلب أولًا[

]إن لكل عبد بداية ونهاية، فمن كانت بدايته اتباع الهوى، كانت نهايته الذل والصغار والحرمان والبلاء المتبوع بحسب ما اتبع هواه، بل يصير له ذلك في نهايته عذابًا يُعذّب به في قلبه كما قال القائل:

مآرب كانت في الشباب لأهلها عِذابًا فصارت في المشيب عَذابًا

فلو تأملت حال كل ذي حالة سيئة زرية لرأيت بدايته الذهاب مع هواه وإيثاره على عقله، ومن كانت بدايته مخالفة هواه وطاعة داعي رشده كانت نهايته العز والشرف والغنى والجاه عند الله وعند الناس. قيل للمهلب ابن أبي صفرة: بِمَ نلت ما نلت؟ قال: بطاعة الحزم وعصيان الهوى. فهذا في بداية الدنيا ونهايتها، وأما الآخرة فقد جعل الله سبحانه الجنة نهاية من خالف هواه، والنار نهاية من اتبع هواه[

وبالجملة: فإنه ما من داء إلا وله دواء عَلِمه من علمه، وَجهِله من جهله، والمتعيّن على من ابتلي بشيء من هذه الشهوات أن يبادر إلى أسباب النجاة ووسائلها.. بالعزيمة الصادقة، والصبر والمصابرة، وعلو الهمة، والاشتغال بمعالي الأمور، والابتعاد عن سفاسفها، والمجاهدة في ذات الله، ونهي النفس عن الهوى وإصلاح الخواطر والإرادات، وصحبة الصالحين، ودوام التضرع إلى الله والانكسار بين يديه سبحانه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

الأربعاء، 15 ديسمبر 2021

شهوة النساء 1 | عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

 



شهوة النساء 1

عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

إن الناظر إلى واقعنا الحاضر يرى أنواعًا من التعلق بالشهوات والافتتان بها، فما أكثر المسلمين الذين أشربوا حب الشهوات من النساء والأموال، والملبوسات والمركوبات، والمناصب والرئاسات، والولع بالألعاب والملاهي. وسوف نتحدث عن جملة من تلك الشهوات التي استحكمت بأفئدة كثير من الناس وعقولهم.

ومن المناسب أن نتحدث ابتداءً عن الموقف الصحيح تجاه الشهوات إجمالًا قبل الحديث عن بعض أفرادها تفصيلًا.

إن المسلك العدل إزاء الشهوات وسط: بين أهل الفجور ، وأصحاب الرهبانية؛ فأهل الفجور أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات؛ وأهل الرهبانية حرّموا ما أحل الله من الطيبات. ودين الله يراعي أحوال الناس، ويدرك ما هم عليه من الغرائز والشهوات؛ لذا فهو يبيحها ويعترف بها، لكنه يضبطها ويهذبها.

يقول ابن القيم مقررًا ذلك: [لما كان العبد لا ينفك عن الهوى ما دام حيًا فإن هواه لازم له كان الأمر بخروجه عن الهوى بالكلية كالممتنع، ولكن المقدور له والمأمور به أن يصرف هواه عن مراتع الهَلَكة إلى مواطن الأمن والسلامة؛ مثاله أن الله لم يأمره بصرف قلبه عن هوى النساء جملة؛ بل أمره بصرف ذلك إلى نكاح ما طاب له منهن من واحدة إلى أربع، ومن الإماء ما شاء، فانصرف مجرى الهوى من محل إلى محل، وكانت الريح دبورًا فاستحالت صبًا][ روضة المحبين، ص11].

واتباع الشهوات والانكباب عليها يؤول إلى استيلائها على القلب، فيصير القلب عبدًا وأسيرًا لتلك الشهوات، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [إن المتبعين لشهواتهم من الصور والطعام والشراب واللباس يستولي على قلب أحدهم ما يشتهيه حتى يقهره ويملكه، ويبقى أسير ما يهواه يصرفه كيف تصرّف ذلك المطلوب...].

وإذا كان الإفراط والانهماك في الشهوات مذمومًا شرعًا، كما قال عز وجل:{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا[59]}[سورة مريم] . فكذلك اتباع الشهوات مذموم عقلًا؛ فإن العاقل البصير ينظر في عواقب الأمور، فلا يُؤْثِرُ العاجلة الفانية على الآخرة الباقية، بل ينهى نفسه عن لذةٍ يعقبها ألم، وشهوة تُورث ندمًا، وكفى بهذا القدر مدحًا للعقل وذمًا للهوى.

وليعلم العبد أن الصبر عن الشهوات وما فيها من الإغراء والبريق والافتتان أيسر من الصبر على عواقب الشهوات وآلامها وحسراتها، كما بينه ابن القيم بقوله: [الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة، فإنها إما أن توجب ألمًا وعقوبة، وإما أن تقطع لذة أكمل منها، وإما أن تضيع وقتًا إضاعته حسرة وندامة، وإما أن تثلم عرضًا توفيره أنفع للعبد من ثلمه، وإما أن تُذهب مالًا بقاؤه خير له من ذهابه، وإما أن تضع قدرًا وجاهًا قيامه خير من وضعه، وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة، وإما أن تطرق لوضيع إليك طريقًا لم يكن يجدها قبل ذلك، وإما أن تجلب همًا وغمًا وحزنًا وخوفًا لا يقارب لذة الشهوة، وإما أن تنسي علمًا ذكره ألذ من نيل الشهوة، وإما أن تُشمت عدوًا وتحزن وليًا، وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة، وإما أن تحدث عيبًا يبقى صفة لا تزول؛ فإن الأعمال تورث الصفات والأخلاق][الفوائد، ص131].

من أنواع الشهوات:

1- شهوة النساء:

وأما عن شهوة النساء، أو بالأحرى شهوة الجنس عمومًا فإن المتأمل في أحوال المسلمين فضلًا عمن دونهم يرى سُعارًا تجاه هذه الشهوات، وولوغًا في مستنقعاتها الآسنة، فما أكثر المسلمين العاكفين على متابعة الأطباق الفضائية وشبكة الإنترنت، وقد سمّروا أعينهم في سبيل ملاحقة برامج الفحش، وما أكثر الذين يشدّون رحالهم إلى بلاد الكفر والفجور في سبيل تلبية شهواتهم المحرمة.

لقد تكالب شياطين الإنس والجن مع النفوس الأمّارة بالسوء على إفساد عفاف المسلمين وأخلاقهم، قال سبحانه: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا[27]}[سورة النساء].

ومن أرخى لشهوته العنان؛ فإن سعار هذه الشهوة لا حد له ولا انقضاء، والمولع بشهوة الجنس بدون ضابط، أو رادع؛ لا يقف ولا يرعوي، يقول الشيخ علي الطنطاوي: [لو أوتيتَ مال قارون، وجسد هرقل، وواصلتك عشر آلاف من أجمل النساء من كل لون وكل شكل، وكل نوع من أنواع الجمال، هل تظن أنك تكتفي؟ لا، أقولها بالصوت العالي: لا.. أكتبها بالقلم العريض. ولكن واحدة بالحلال تكفيك. لا تطلبوا مني الدليل؛ فحيثما تلفّتم حولكم وجدتم في الحياة الدليل قائمًا ظاهرًا مرئيًا][فتاوى علي الطنطاوي، ص146].

وفي الأدب الكبير، لابن المقفع: [اعلم أن من أوقع الأمور في الدين، وأنهكها للجسد، وأتلفها للمال، وأجلبها للعار، وأزراها للمروءة، وأسرعها في ذهاب الجلالة والوقار: الغرام بالنساء. ومن العجب أن الرجل لا بأس بلبّه ورأيه يرى المرأة من بعيد متلففة في ثيابها، فيصوّر لها في قلبه الحُسن والجمال حتى تعلق بها نفسه من غير رؤية ولا خبر مخبر، ثم لعله يهجم منها على أقبح القبح، وأدمّ الدمامة، فلا يعظه ذلك؛ ولا يقطعه عن أمثالها، ولا يزال مشغوفًا بما لم يذق، حتى لو لم يبق في الأرض غير امرأة واحدة، لظن أن لها شأنًا غير شأن ما ذاق، وهذا هو الحمق والشقاء والسفه].

إن أشد الفتن وأعظمها: الفتنة بالنساء، فعَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ]رواه البخاري ومسلم. قال الإمام طاووس عند قوله:{...وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا[28]}[سورة النساء] : [إذا نظر إلى النساء لم يصبر]. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: [لم يكن كفر من مضى إلا من قِبل النساء، وهو كائن كفر من بقي من قِبل النساء]. وهاك أخي القارئ حكايتين واقعيتين تكشفان أن من أسباب الكفر بالله: عشق النساء.

فأما الحكاية الأولى: فقد ساقها أبو الفرج ابن الجوزي بقوله: [بلغني عن رجل كان ببغداد يُقال له: صالح المؤذن، أذّن أربعين سنة، وكان يُعرف بالصلاح، أنه صعد يومًا إلى المنارة ليؤذن، فرأى بنت رجل نصراني كان بيته إلى جانب المسجد، فافتتن بها، فجاء فطرق الباب، فقالت: من؟ فقال: أنا صالح المؤذن، ففتحت له، فلما دخل ضمها إليه، فقالت: أنتم أصحاب الأمانات فما هذه الخيانة؟ فقال: إن وافقتني على ما أريد وإلا قتلتك. فقالت: لا؛ إلا أن تترك دينك، فقال: أنا بريء من الإسلام ومما جاء به محمد، ثم دنا إليها، فقالت: إنما قلت هذا لتقضي غرضك ثم تعود إلى دينك، فكُلْ من لحم الخنزير، فأكل، قالت: فاشرب الخمر، فشرب، فلما دبّ الشراب فيه دنا إليها، فدخلت بيتًا وأغلقت الباب، وقالت: اصعد إلى السطح حتى إذا جاء أبي زوّجني منك، فصعد فسقط فمات، فخرجت فلفّته في ثوب، فجاء أبوها، فقصّت عليه القصة، فأخرجه في الليل فرماه في السكة، فظهر حديثه، فرُمي في مزبلة][ ذم الهوى، ص 409].

أما الحكاية الثانية: فذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله في حوادث سنة ثمان وسبعين ومائتين ما يلي:

[وفيها توفي عبده بن عبد الرحيم قبحه الله، ذكر ابن الجوزي أن هذا الشقي كان من المجاهدين كثيرًا في بلاد الروم، فلما كان في بعض الغزوات والمسلمون يحاصرون بلدة من بلاد الروم، إذ نظر إلى امرأة من نساء الروم في ذلك الحصن، فهويها، فراسلها: ما السبيل إلى الوصول إليك؟ فقالت: أن تتنصر وتصعد إليّ، فأجابها إلى ذلك، فما راع المسلمين إلا وهو عندها، فاغتم المسلمون بسبب ذلك غمًا شديدًا، وشق عليهم مشقة عظيمة، فلما كان بعد مدة مروا عليه وهو مع تلك المرأة في ذلك الحصن، فقالوا: يا فلان ما فعل قرآنك؟ ما فعل علمك؟ ما فعل صيامك؟ ما فعل جهادك؟ ما فعلت صلاتك؟ فقال: اعلموا أني أُنسيت القرآنَ كله إلا قوله:{رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ[2]ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ[3]}[سورة الحجر]. وقد صار لي فيهم مال وولد][ البداية والنهاية، 11/64].

إن الولوغ في الفواحش وارتكابها له وسائل متعددة وأسباب كثيرة، وأدناها: سماع الأغاني؛ فإن الغناء رقية الزنا، وداعية الفاحشة.

وقال يزيد بن الوليد: [يا بني أمية! إياكم والغناء؛ فإنه ينقص الحياء، ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل السّكْر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنّبوه النساء؛ فإن الغناء داعية الزنا][ انظر: إغاثة اللهفان، 1/369]. وقال ابن القيم: [ومن الأمر المعلوم عند القوم أن المرأة إذا استصعبت على الرجل اجتهد أن يُسمعها صوت الغناء، فحينئذٍ تعطي الليان]؛ [أما إذا اجتمع إلى هذه الرقية الدّف والشبابة والرقص بالتخنث والتكسر، فلو حبلت المرأة من صوت لحبلت من هذا الغناء.

فلعمر الله كم من حرة صارت بالغناء من البغايا، وكم من حرّ أصبح به عبدًا للصبيان أو الصبايا، وكم من غيور تبدّل به اسمًا قبيحًا بين البرايا، وكم من معافى تعرّض له فأمسى وقد حلّت به أنواع البلايا][ إغاثة اللهفان، 1/370، 371].

ومن أشد الوسائل فتكًا: النظر المحرم: فكم من نظرة إلى صورة جميلة في السوق، أو في شاشة، أو مجلة؛ أعقبت فواحش وآلامًا وحسرات. يقول ابن الجوزي: [اعلم-وفقك الله- أن البصر صاحب خبر القلب ينقل إليه أخبار المبصرات، وينقش فيه صورها، فيجول فيها الفكر، فيشغله ذلك عن الفكر فيما ينفعه من أمر الآخرة. ولما كان إطلاق البصر سببًا لوقوع الهوى في القلب، أمرك الشارع بغضّ البصر عما يُخاف عواقبه. قال الله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ...[30]وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ...[31]}[سورة النور] . ثم أشار إلى مُسبب هذا السبب، ونبّه على ما يؤول إليه هذا الشر بقوله:{...وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ...[30]... وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ...[31]}[سورة النور].][ ذم الهوى، ص106].

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

الثلاثاء، 14 ديسمبر 2021

علاج الوسواس | عبد العزيز بن إبراهيم الخضير






علاج الوسواس

عبد العزيز بن إبراهيم الخضير

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

يصيب الوسواس القهري الرَّجال والنساء بدرجة متساوية، ويظهر في جميع مراحل العمر من الطفولة إلى الشيخوخة، ولكن معظم الحالات تصاب في مرحلة العشرينات وتقدر نسبته ٢-٣% من أفراد المجتمع.

والأصل في الوسواس سببه أنه من عمل الشيطان. يبدأ في وسواس العبد في الشيء اليسير في عبادته وعمله وسلوكه، فإن‪ استعاذ منه لم يتغلب عليه، وإن استجاب له وكان ضعيفاً شدد عليه‪ الشيطان وأكثر من وسواسه وتمكن منه حتى يشككه في ربه ودينه ونبيه،‪ ويضعف عزيمته ويبطل عمله ويكون العبد له أسيراً .

وقد قال عثمان بن أبي العاص: يا رسول‪ الله: إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي ‏وقراءتي يلبسها علي فقال: رسول الله ﷺ: ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، ‏واتفل‪ عن يسارك ثلاثاً. قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني. رواه مسلم.

ما الوسواس القهري؟

 هو عبارة عن أفكار، أو صور متكررة، وملحة تسيطر على تفكير الشخص المصاب وتستهلك وقته، مع علمه أنها أفكار خاطئة ساذجة، لا يستطيع التخلص منها، ينتج عنه انزعاج نفسي شديد.

وهي تظهر على شكل أفكار أو أفعال لا يستطيع المريض مقاومتها، فيضطر للاستجابة لها حتى يخفف ما يصيبه من ضغط نفسي ناتج عن ذلك.

العلاج باختصار :

١-الإكثار من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، قال الله ﷻ: ﴿‪ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ‪  إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾.

٢-المحافظة على الأوراد اليومية، أذكار الصباح والمساء، ولا سيما قوله ﷺ: (مَنْ قَالَ لاَ إِلَه إِلاَّ اللَّه وَحْده لاَ شَرِيك لَهُ، لَهُ الْمُلْك وَلَهُ الْحَمْد، وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير فِي يَوْم مِائَة مَرَّة، كَانَ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِىَ). متفق عليه.

٣-الرقية الشرعية، بأن ترقي على (نفسك) وهو الأفضل.

٤-قراءة شيء من القرآن، وخاصة سورة البقرة.

٥-المحافظة على الصلوات الخمس بوقتها مع سنن الرواتب.

٦-المحافظة على الأذكار أدبار الصلوات الخمس.

٧-الإكثار من ذكر الله، فإن لذكر الله أثراً عظيماً في اطمئنان القلب، وخاصة عند الدخول والخروج من المنزل، وعند الطعام والانتهاء، ودخول الخلاء والخروج منه، وعند الركوب، وعند النوم وغير ذلك.

٨-عند الوضوء اجعل شخصاً يقف بجوارك ينبهك على الزيادة والنقص.

٩-الدُّعاء بأن الله ﷻ يخلصك من هذا المرض (الوسواس) وهو من أهمها. قال الله ﷻ :﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾. وقوله: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ﴾.

١٠-إهماله الوسواس، وعدم الالتفات إليه، وعدم الاستسلام له، وقد أطبق على هذا أهل العلم، قال ابن تيمية رحمه الله : والوسواس يعرض لكل من توجه إلى الله، فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر، ويلازم ما هو فيه من الذكر، والصلاة، ولا يضجر لأنه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد الشيطان قال الله ﷻ :﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.

‏‪ وكلما أراد العبد توجهاً إلى الله بقلبه جاء الوسواس من أمور أخرى، فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق، كلما أراد العبد أن يسير إلى الله أراد قطع الطريق عليه. ا.هـ

عدم الالتفات لهذا الوسواس نهائياً، ومقاومته بكل ما تستطيع، حتى ولو بكيت، أو تألمت  أو‪ حزنت،‪ المهم أن تقاوم وتستعين بالله ﷻ.

أسأل الله العظيم ربّ العرش العظيم أن يشفيك ويعافيك، إنه سميع مجيب.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين



الأحد، 12 ديسمبر 2021

لذة الشراء وجنون الملكية !! | أحمد أمين (رحمه الله)

 

لذة الشراء وجنون الملكية !!

أحمد أمين (رحمه الله)

بالأمس ضحك مني بائع الكتب القديمة، إذ رآني أقلب في الكتب، وأذهب ذات اليمين وذات الشمال، وأصعد على الكرسي وأنزل من عليه، والكتب بعضها بال عتيق قد غلف بالتراب وأكلته الأرضة، وكلها وضعت حيثما اتفق، لم يُعْنَ فيها بترتيب حسب الموضوع ولا حسب الحجم ولا حسب أي شيء، ولم يُبْذَل أي جهد في تنظيفها وعرضها؛ فكتب في الأرض، وكتب في السماء، وكتب في الرف، وكتب على المقاعد، وكتب في الممشى؛ والبائع رجل تقدمت به السن، زهدَ البيع وزهد الشراء، وإنما يبيع ويشتري لأنه اعتاد أن يبيع ويشتري؛ كل ما في أمره أنه فَضَّلَ أن يجلس في الدكان على أن يجلس في البيت، إذ يرى الرائحين والغادين، ويستقبل الزائرين، ومن حين إلى حين يبيع كتابا أو كتابين.

وسط هذه المكتبة المغمورة بالكتب، والمغمورة بالتراب، والمغمورة بالفوضى انغمست ببذلتي البيضاء، القريبة العهد بالكَواء، أبحث عن كتب نادرة أشتريها، وأتصفح كتبًا أتعرف قيمتها، فضحك إذ رأى غرامًا بالكتب يشبه الجنون؛ ورغبة في البحث والشراء تشبه الخبل.

لا تضحك — يا سيدي — فإنما هي لذة الشراء أصيب الناس بها جميعًا، وإن اختلفوا في مقدار الإصابة، فقد تهور فيها قوم، واعتدل فيها آخرون؛ وهي ظاهرة في منتهى القوة والغرابة، تتجلى بأجلى مظاهرها في الهواة؛ فهذا هاوي سجاجيد يُجَن جنونه إذ يرى سجادة قديمة، صنعت في أصفهان في القرن الخامس عشرن أو السادس عشر، يحتقرها الرائي العادي، ولا يرضى أن يأخذها ولا بالمجان، ويشمئز أن يراها في بيته، فإذا الهاوي يجري ريقه ويتحلب فمه، كأنه جائع سغب أمام أكلة لذيذة، ولا يجد ثمنها فيستدينه؛ وقد ينقصه الضروري من وسائل العيش ومرافق الحياة فيعمى عنه، ولا يرى أمامه إلا السجادة وشراءها ولتكن النتيجة بعدُ ما تكون، وسيتكفل الزمن بأداء الدين، وليحمل الزمن وحده عبء ما يحتاج إليه من ضرورات العيش، بل سواء أحلها أم لم يحلها، فليس في الوجود ما يعدل هذه السجادة.

وكذلك الشأن في هاوي طوابع البريد، وهاوي الكتب، وكل الهواة، نَمَتْ عندهم على مر الزمان لذة الشراء لما يهوون، وغذاها كثرة الشراء وأحاديث أمثالهم الذين يحيطون بهم وإظهارهم الإعجاب الشديد بما اقتنوا، فإذا نظروا إلى سجادة عجبوا من لونها الباهت، وخيوطها التي هلهلها الزمن، وصُوَرِها غير المنسجمة، ونحو ذلك مما يدل على إمعان في القدم؛ وكلما كان خيطها أبلى، ونسيجها أبسط، وتصويرها أتفه، كانت أشد استخراجًا للعجب؛ وكانوا أكثر لها تقويمًا، وأشد لها إعظامًا، وكانت لذة الشراء عند الهواة أشد طغيانًا، وهم أمامها أشد ضعفًا.

هذه اللذة — لذة الشراء — يستغلها أرباب "المزاد"، فهم يثيرونها إلى أقصى حدودها، ويبلغون بها مبلغًا جنونيًّا، فتحتدم اللذات، ويخضع الشارون لتأثير الاستهواء، ويغالون في أثمان ما يُعْرَض حتى قد تفوق أثمان الشيء الجديد؛ ولكن الشيء الجديد يُشْتَرى والعقل الواعي في سلطانه، وأما أشياء "المزاد" فتشرى والعقل الواعي قد أسدل عليه ستار من الاستغواء والاستهواء؛ ومن أغرب ما في هذا النوع أنك ترى الكثيرين يندمون إذا اشتروا، ويندمون إذا لم يشتروا!

ولذة الشراء هي السبب في أنك تشتري لزوجتك وبناتك الثوب الجميل، أو الحذاء الظريف، فتعرضه عليهن فلا يعجبهن، ثم يخرجن ويشترين ما هو أقل منه جمالًا وظرفًا ويعدْن راضيات؛ قد يكون السبب أن ما اشتريته ليس على ذوقهن، وأن هناك فرقًا كبيرًا بين ذوق الرجال وذوق النساء، وأنك إذ تشتري لهن تحكم ذوقك في ذوقهن؛ ولكن يظهر لي أن ذلك في كثير من الأحيان ليس السبب الصحيح؛ وإنما السبب الصحيح أنك إذ تشتري لهن تحرمهن لذة الشراء وهي في نفسها قد تفوق الشيء المشتري نفسه؛ ويفسر هذا أن السيدة قد تخرج وليس في نفسها شيء معين تشتريه، ولا تحس حاجة إلى شيء يُشترى، وإنما هي — في أعماق نفسها — تريد أن تغذي لذة الشراء عندها، فما هي إلا أن تمر من متجر لآخر حتى تشتري، وتشتري كثيرًا، وتشتري ما لم يخطر لها على بال؛ ثم ترجع راضية لأنها أشبعت لذة الشراء عندها.

ولو أن الناس — وخاصة السيدات — اقتصروا على شراء ما هم في حاجة إليه لأغلقت دكاكين كثيرة، ولقل العرض وقل الطلب؛ ولكن لذة الشراء عندهم دفعتهم أن يشتروا ما لم يحتاجوا، وأوهمتهم في كثير من الأحيان بالحاجة إلى ما ليس لهم به حاجة؛ وإلا فما حاجتي إلى شراء كل هذه الكتب والمكتبات العامة مفتحة الأبواب؟ وما الحاجة إلى شراء نسختين من كتاب واحد والتعلل في ذلك بأتفه الأسباب؛ وما الحاجة إلى ملء البيت بهذا الأثاث وأقل منه يكفي ويزيده حسنًا، وما الحاجة إلى شراء المرأة هذه الثياب المختلفة الألوان والأنواع، وقد لا تحتاج إليها مرة في الحياة؟ — لا شيء إلا لذة الشراء.

قد كان من المعقول والطبيعي أن الناس — وهم يتلذذون هذه اللذة الشديدة القوية بالشراء — يتلذذون كذلك لذة شديدة قوية بالِملْكية ثم يستمرون على التنعم بها، والتمتع الدائم بملكها، ولكن جرى الأمر في هذا العالم على غير ما يُتوقع، فهم راغبون أشد الرغبة في ملك الأشياء، والملكية تذهب بلذتها.

فالناس مولعون أشد الولع بالملكية حتى لو استطاعوا أن يملكوا القمر في السماء لملكوه، ولو ملكوه لحرموا جماله؛ وهم مولعون أن يملكوا كل شيء إلى درجة الجنون، حتى لو استطاعوا أن يسلبوا السماء زرقتها، والمزارع بهجتها، والبحار جمالها ليجعلوها في حوزتهم لفعلوا؟ وقد أدرك مَهَرة الباعة هذا الجنون في الإنسان فتفننوا في عرض ما يبيعون بحسن الوضع وتزويق المعروض وإيهام الترخيص؛ وكثرة الإعلان في شكل جذاب يوقع في الوهم أن الشراء فرصة لن تعود، وأن ملكية الشيء تملأ الحياة سعادة وغبطة.

ولو أنك دخلت بيوت الأغنياء والطبقة الوسطى لرأيت كثيرًا مما فيها لا حاجة بالبيت إليه، بل قد حُمل أكثر مما يُطيق حتى ذهبت بساطته، وزاد تعقده، واحتاج إلى زيادة الخَدَم والأتباع للعناية بنظافته وترتيبه، وجَعَل الحياة أكثر تعقدًا وأشد ارتباكًا؛ وما دعا إلى هذا كله إلا لذة الشراء وجنون الملكية؛ وما قصر الفقراء في هذا إلا أنهم لا يجدون ما يطلبون، ولو أتيح لهم ذلك لأفرطوا في الشراء إفراط الأغنياء؛ ولولا جنون الملكية لكانت الحياة أبسط، ووسائل العيش أيسر، والتنعم بها أتم

وكأن الحياة أرادت أن تعاقب على هذا النوع من الجنون فسلبت المالك أكثر ما يتصور من لذة؛ فالشيء جميل لذيذ ممتع، فيه كل ما يتمنى المرء من سعادة ما لم يُمْلك، فإذا مُلك لم يجد فيه المالك كل ما يتصور ويتخيل، وأصبح أقل قيمة مما أمّل، ولا تزال قيمته في نقصان حتى يصبح عاديًّا تافهًا كأنه والحرمان سواء.

فالقصر الجميل هو أجمل ما يكون في عين من يمر به، ويقل جماله شيئًا فشيئًا في عين من له به علاقة ما، حتى إذا بلغت المالك وجدْتَ القصر لا قيمة له في نظره، ووجدت شعوره به كشعور الفلاح نحو كوخه، والفقير نحو عشه؛ وكلما طال الزمن بالغني تفه القصر في نظره، وحرم حرمانًا تامًّا من لذة الملكية، وصارت لذته خيالًا فقط لمن يمر به ويتصور نعيم سكانه أو ملاكه.

وهذه قاعدة الحياة؛ فأجمل أيام الزوجية قبيل الزواج، أيام يتخيل المرء أو المرأة ما ينتظر من نعيم مقيم، وأيام يسبح خياله أو خيالها في الآمال والأماني التي لا حد لها، ثم تصدمه أو تصدمها الملكية أو شبه الملكية، فإذا كل شيء مألوف.

وأُجَن بالكتاب قبيل شرائه وعند شرائه، وأبيت ليلة وأنا أحلم به، ولا أسمح لنفسي بالنوم ليلة الشراء قبل تصفحه ومعرفة ما فيه أو على الأقل عناوينه، ثم يوضع في المكتبة وينسى وكأنه لم يملك.

والأملاك الواسعة والغنى الوافر أمل الناس جميعًا؛ ولو درسوا — في دقة — حال الأغنياء وشعورهم لوجدوا الفرق الواسع بين ما يتخيلون وما يدرسون، ولوجدوا أن أكثر الأغنياء يعانون الكثير من غناهم؛ ولو عقلوا وخف عنهم جنون الملكية لنزلوا للمجتمع عن شيء مما يملكون ويعانون، فسعدوا وأسعدوا.

أليس عجيبًا في هذه الحياة أن ألذ شيء في الملكية هو خيالها !!


السبت، 11 ديسمبر 2021

اللـغـة الخـالـدة | د. جابر قميحة (رحمه الله)


اللـغـة الخـالـدة

د. جابر قميحة (رحمه الله)


تعد اللغة العربية من أغنى لغات العالم القديم بالمفردات والمترادفات، وقد انقرضت كلها على وجه التقريب، ولم يعد منها إلا آثار تاريخية في النقوش والمخطوطات، وهي الكنعانية والفينيقية والعبرية، والآرامية، والنبطية، والبابلية، والكلدانية، والسريانية، والهيروغليفية، والحبشية.

ولا يدل على مرونة اللغة العربية، واتساعها وشموليتها كثرة مفرداتها ؛ التي تعد بمئات الألوف فحسب، ولكن يدل على ذلك أيضًا كثرة الروافد، والطرائق التي تغذي اللغة العربية، وتسمح لها بالتوليد والإضافات، كالقياس، والاشتقاق، والنحت، والتعريب، وغيرها.

وهذا يعني أنها لغة مفتوحة للتواصل الدائم على مدى العصور، وأن باب الاجتهاد فيها لم يغلق، ولن يغلق.

وقد تحدث اللغويون عن خصائص اللغة العربية وتفردها في جوانب كثيرة، وتفوقها على كثير من اللغات الأخرى في هذه الجوانب، وذلك في دراسات مقارنة متعددة، مما لا يتسع له مقالنا هذا.

ولكننا نجد من اللازم أن نتحدث في إيجاز عن مظهرين من مظاهر القدرة الذاتية في اللغة العربية وهما:

1- دقة الفروق بين كثير من كلمات العربية مما يعتقد كثيرون أنها مترادفة، أي متساوية تمامًا في المعنى.

2- الدقة في الاستيعاب، وتعريف المسمى بكل أنواعه التعريف الجامع المانع، الذي لا يترك زيادة لمستزيد، وفي السطور الآتية نلقي الضوء على هذين المظهرين اللذين يمثلان سمتين أساسيتين من سمات اللغة العربية.

أولاً: دقة التفريق:

ومن أشهر الكتب التي تناولت هذه الظاهرة: كتاب :"الفروق اللغوية" لأبي هلال العسكري، ونقدم في السطور التالية قطوفًا منه تبين عن هذه القدرة في اللغة العربية:

1ـ الفرق بين الصفة والنعت: النعت: لما يتغير من الصفات. والصفة: لما يتغير، وما لا يتغير، فالصفة أعم من النعت.

2ـ الفرق بين الحقيقة والحق: الحقيقة ما وضع من القول موضعه في أصل اللغة، حسنًا كان أو قبيحًا. والحق: ما وضع موضعه من الحكمة، فلا يكون إلا حسنًا.

3ـ الفرق بين الإعادة والتكرار: التكرار: يقع على إعادة الشيء مرة، وعلى إعادته مرات. أما الإعادة: فهي للمرة الواحدة.

4ـ الفرق بين الهجْو والذم: الذم: نقيض الحمد، وهما يدلان على الفعل، والهجو: نقيض المدح، وهما يدلان على الفعل والصفة كهجوك الإنسان بالبخل، وقبح الوجه.

وفرق آخر: أن الذم يستعمل في الفعل والفاعل، فتقول: ذممته بفعله، وذممت فعله، والهجو يتناول الفاعل والموصوف دون الفعل والصفة، فتقول: هجوته بالبخل وقبح الوجه، ولا تقول هجوت قبحه وبخله.

5ـ الفرق بين العلم والمعرفة: المعرفة أخص من العلم؛ لأنها علم بعين الشيء مفصلاً عما سواه، والعلم: يكون مجملاً ومفصلاً.

6ـ الفرق بين القريحة والطبيعة: الطبيعة: ما طبع عليه الإنسان أي خلق، والقريحة فيما قال المبرد :ما خرج من الطبيعة من غير تكلف.

7ـ الفرق بين الإهلاك والإعدام: الإهلاك: أعم من الإعدام؛ لأنه قد يكون بنقض البنية، وإبطال الحاسة، وما يجوز أن يصل معه اللذة والمنفعة، والإعدام: نقيض الإيجاد، فهو أخص، فكل إعدام إهلاك، وليس كل إهلاك إعدامًا.

8ـ الفرق بين الجَعْل والعمل: العمل: هو إيجاد الأثر في الشيء، والجعل: تغيير صورته بإيجاد الأثر فيه.

9ـ الفرق بين البعض والجزء: البعض ينقسم، والجزء لا ينقسم، والجزء يقتضي جمعا، والبعض يقتضي كلا.

10ـ الفرق بين النصيب والحظ، النصيب يكون في المحبوب والمكروه، والحظ ما يكون في الخير.

11ـ الفرق بين الوَلاية (بفتح الواو) والنصرة (بضم النون): الولاية: النصرة لمحبة المنصور، لا للرياء والسمعة؛ لأنها تضاد العداوة، والنصرة: تكون على الوجهين.

12ـ الفرق بين الإيجاب والإلزام: الإلزام: يكون في الحق والباطل، يقال: ألزمته الحق، وألزمته الباطل. والإيجاب لا يستعمل إلا فيما هو حق، فإن استعمل في غيره فهو مجاز، والمراد به الإلزام.

13ـ الفرق بين الأبناء والذرية: الأبناء: يختص به أولاد الرجل، وأولاد بناته، والذرية تنتظم الأولاد، والذكور والإناث.

ويرى بعض الباحثين أن أبا هلال العسكري قد أسرف في إبراز هذه الفروق، وحتى لو صحّ ذلك، فإن ما قدمه يبقى صحيحًا في غالبيته.

ثانيًا: الدقة في الاستيعاب:

فاللغة العربية وضعت للشيء الحسي بصفة خاصة التسمية الجامعة المانعة، بحيث لا يدخل معها غيرها، ونسوق هنا سطورًا من كتاب: "الفرق" لابن فارس اللغوي، وأغلبه في تحديد أسماء أعضاء الإنسان والحيوان، وما يتعلق بها:

1ـ باب الشفة: الشفة من الإنسان، وهو من الإبل المشفر، ومن ذوات الحافر: الجحفلة، ، ومن الطائر غير الجارح: المنقار، ومن الجارح: المنسر، ومن الذباب: النقط.

2ـ باب الأصوات: صاح الإنسان، وصوت، وعزف الجني، وخارت البقرة، وبغم الظبي بغاما، وصهل الفرس، وحمحم عند الشعير، ونهق الحمار… إلخ.

ويرى الأستاذ العقاد ـ رحمه الله ـ في كتابه: "اللغة الشاعرة" أن اللغة العربية فاقت غيرها من اللغات، بما اشتملت عليه من تحديد دقيق لكل ساعة من ساعات الليل، والنهار، والشهور، والفصول، والمواسم وغيرها.

ولا مبالغة فيما ذكره العقاد؛ ففي “فقه اللغة” للثعالبي ، وهو يتحدث عن "أوائل الأشياء".

الصبح أول النهار، الغسق: أول الليل، الوسمي: أول المطر، البارض: أول النبت، اللعاع: أول الزرع، اللباء: أول اللبن.

السلاف: أول العصير، الباكورة: أولى الفاكهة، البكر: أول الولد، الطليعة: أول الجيش، النهل: أول الشرب، النشوة: أول السُّكر، الوخْط: أول الشيب. النعاس: أول النوم، الزُّلف: أول ساعات الليل.

وفي ساعات النهار: الشروق، ثم البكور، ثم الغدوة، ثم الضحى، ثم الهاجرة، ثم الظهيرة، ثم الرواح، ثم العصر، ثم القصْر، ثم الأصيل، ثم العشى، ثم الغروب.

وساعات الليل: الشفق، ثم الغَسَق، ثم العَتَمة، ثم السُّدْفة، ثم الجهمة، ثم الزُّلة، ثم الزلفة، ثم البُهْرة، ثم السَّحَر، ثم الفجر، ثم الصبح، ثم الصباح. 

وأغلب هذه الكلمات لا تدور حاليًا على أقلام الكتاب، وألسنة المتكلمين من الخطباء والمحاضرين، ولكن هذا لا يقلل من قيمتها، ولا ينال من دلالتها على مرونة اللغة العربية واتساعها وشموليتها، وقدرتها الذاتية؛ فقلة توظيف الكلمة لا يقلل من قيمتها، كما أن كثرة دورانها على الألسنة والأقلام لا يكسبها من القيمة ما لا تستحقه.

وما ذكرناه من سمات تكاد العربية تنفرد بها وغيرها كثير، تقطع بأن العربية لغة غنية خالدة؛ لأنها مهما تكالب عليها من محن يبقى لها هذا الرصيد الضخم من القوة الذاتية التي تجعلها لغة قادرة البقاء في كل الظروف والأزمنة والأحوال.

حكم الإحداد على الملوك والزعماء | الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (رحمه الله)

حكم الإحداد على الملوك والزعماء الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (رحمه الله) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه و...