الاثنين، 28 يناير 2013

أنصاف المتعلمين ـ محمد بازمول ـ







أنصاف المتعلمين



تواجه الحركة العلمية مشاكل عديدة، تكون سبباً لتعثر المجتمع، وإعطاؤه صورة ليست هي الصورة الحقيقة للمسلم.
من صور المتعالمين: أنصاف المتعالمين، وذلك لأن الذي ينظر إلى هؤلاء يظنهم علماء أو طلاب علم، وحقيقة الحال أنهم لا يملكون من العلم ما يستطيعون به إعطاء صورة صحيحة عن الأمر الذي يتكلمون فيه.
فتجد أحدهم يتكلم في مسألة علمية شرعية، وغايته أنه أخذ بجانب من الأدلة دون الآخر، فجاء كلامه في المسألة بصورة ناقصة.
تراه يختال في كلماته، ويحلق في عباراته، ما أشبهه بفقاقيع الصابون، تخطف البصر تتلألأ، وتتهادى، ولكن جوفاء، إذا ما أردت أن تمسكها زالت، وهكذا هؤلاء، إذا ما جئت تمسك بهم لنقاش أو بحث لم تجد لهم ثباتاً و لا استقراراً.
يتجالدون غاية الجلادة، بثياب ليست لهم، وأدلة يسوقونها مساق الواثق، الذي بحد المثل الشعبي : (ماشي يقول: يا أرض انهدي ما عليك قدّي).
العاطفة والاندفاع سمة هؤلاء.
خذ مثلاَ، قضية الاختلاط وما أثير فيها من الطرفين، لو قلت الآن ما يلي:
محل الذم للاختلاط هو في الحال الذي يحصل فيه مقروناً بما يخالف الشرع، كأن يصحب الاختلاط بخلوة بأجنبية، أو يقترن بتبرج من المرأة، أو بحصول أمور محرمة من التصاق الأجساد، أو لين الكلام، والخضوع بالقول ونحو ذلك مما يخشى معه وقوع الفتنة؛ فلا يدخل في ذلك بيع المرأة وشراؤها مع الرجال بدون شيء مما ذكر، فلا يقال عنه اختلاط.
أمّا الهجوم على تحريم الاختلاط مطلقاً، بدون تفصيل فهذا من مسالك أنصاف المتعلمين، يتوجهون إلى الأمور قبل نضجها وتمامها، وجاء في المثل: "تزبب قبل أن يتحصرم" إذا ادعى حالة أو صفة قبل أن يتهيأ لها([1]).
وفي مثل هؤلاء قال القائل (بعد إخراج قوله عن سياقه):
وقل لمن يدّعي في العلم فلسفةً ... حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء
ومن صفات هؤلاء الناس :
انتقاصهم غير الصريح للعلماء.
وظنهم في أنفسهم أنهم علماء. مع كونهم غالباً ليسوا ممن أخذ العلوم الشرعية عن أهلها. بل قد تكون تخصصات بعضهم الدراسية بعيدة كل البعد عن العلوم الشرعية.
ومراوغتهم إذا جاء الدليل على خلافهم.
وهجومهم للتصريح برأيهم.
مع جرأتهم على الفتوى.
وتسابقهم للكلام في النوازل العامة. على سفه ومع فسق أحياناً، فهم ممن يدخل في حديث الرسول
e: "الرويبضة يتكلم في شأن العامة".
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّهَا سَتَأْتِي عَلَى النَّاسِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ" قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ "([2]).
ومن صفاتهم: حرصهم على الشعبية مع الناس.
وبالتالي لا ينطقون بالحق، قال الثوري رحمه الله: "إذا رأيت العالم كثير الأصدقاء فاعلم أنه مخلط، لأنه إن نطق بالحق أبغضوه".

هذا الصنف من الناس يتسبب في مشاكل كثيرة، وقد دعى رسول الله على المتجرئين على الفتوى.

عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ
t قَالَ: "خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ. فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ أَوْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ" ([3]).
قال ابن تيمية رحمه الله : "وقد قيل : إنما يفسد الناس نصف متكلم ونصف فقيه ونصف نحوي ونصف طبيب؛
هذا يفسد الأديان .
وهذا يفسد البلدان .
وهذا يفسد اللسان
وهذا يفسد الأبدان. لا سيما إذا خاض هذا في مسألة لم يسبقه إليها عالم ولا معه فيها نقل عن أحد ولا هي من مسائل النزاع بين العلماء، فيختار أحد القولين بل هجم فيها على ما يخالف دين الإسلام"اهـ ([4]).
وأمثال هؤلاء ينبغي أن يمنعوا من الكلام في العلم، وأن يصرفوا إلى أمور يحسنونها، فإن مفاسد هؤلاء على أنفسهم ومجتمعهم عظيمه؛
منها أنهم يكثرون من إيراد الشبه، فيضرون أنفسهم وغيرهم.
ومنها تعطيل أنفسهم وغيرهم عن إعمار البلاد والعباد والسعي في النفع العام والخاص.
ومنها أنهم يعطون تصورات وأحكماً غير صحيحة عن الدين وأهله.
قال المناوي رحمه الله: "فعلم أن المدرس ينبغي أن يكلم كل طالب على قدر فهمه وعقله فيجيبه بما يحتمله حاله.
ومن اشتغل بعمارة أو تجارة أو مهنة فحقه أن يقتصر به من العلم على قدر ما يحتاج إليه من هو في رتبته من العامة، وأن يملأ نفسه من الرغبة والرهبة الوارد بهما القرآن، ولا يولد له الشبه والشكوك.
فإن اتفق اضطراب نفس بعضهم بشبهة تولدت له أو ولدها له ذو بدعة فتاقت إلى معرفة حقيقتها، اختبره ؛
فإن وجده ذا طبع موافق للعلم وفهم ثابت وتصور صائب خلى بينه وبين التعلم وسوعد عليه لما يجد من السبيل إليه.
وإن وجده شريرا في طبعه أو ناقصا في فهمه، منعه أشد المنع.
ففي اشتغاله مفسدتان :
تعطله عما يعود نفعه إلى العباد والبلاد .
وشغله بما يكثر من شبهة وليس فيه منفعة.
وكان بعض المتقدمين إذا ترشح أحدهم لمعرفة حقائق العلوم والخروج من العامة إلى الخاصة، اختبر فإن لم يوجد خيرا أو غير منتهى للتعلم؛ منع .
وإلا شورط على أن يقيد بقيد في دار الحكمة، ويمنع أن يخرج حتى يحصل العلم أو يأبى عليه الموت .
ويقولون: إن من شرع في حقائق العلوم ثم لم يبرع فيها تولدت له الشبه وتكثر عليه فيصير ضالا مضلا فيعظم على الناس ضرره.
وبهذا النظر قيل: نعوذ بالله من نصف فقيه أو متكلم"اهـ([5]).
[وَنِصْفُ الْفَقِيهِ يَهْدِمُ الدِّينَ] ([6]).
قال ابن عثيمين رحمه الله: "ينبغي لطالب العلم أن لا يستعجل فيه، كذلك التدريس والفتوى والحرص على الظهور قبل الضبط.
وكنا نرى من بعض الأقران والزملاء من يحرص على أن يفتي بمجرد ما يقرأ مسألة ليبرز، فكان بعض مشايخنا رحمة الله عليهم يقول له: لا تستعجل، واترك الفتوى في زمانك لمن هو أهل لها، فحريٌ بك إن شاء الله إن وضع الله لك قبولاً في الفتوى أن يرجع الناس إليك، وأن لا يزاحمك الغير كما لم تزاحم من هو أهلٌ للفتوى وأحق بها منك، انتظر وأتقن واضبط، ثم بعد ذلك تفرَّغ للتدريس والتعليم.
وهذا مما أحببت أن أنبه إليه ،...، فبعض طلاب العلم -أصلحهم الله- بمجرد ما يقرأ كتاب الطهارة أو كتاب الصلاة أخرج المذكرة وعلَّق عليها، وأضاف ونقَّح، وزاد! فهذا كله من الآفات التي ينبغي لطالب العلم أن يتجنبها، وأن يحفظ حقوق أهل العلم، لا يختص هذا بعالم، إنما يشمل كل أهل العلم المتقدمين والمتأخرين.
وينبغي للإنسان أن يكون حريصاً على إرادة وجه الله؛
لأن العلم فيه فتنة.
والشيطان حريص.
ومما ذكره العلماء: أن الدِّين يُفسِده نصف فقيه وعابد جاهل؛
فنصف العالم عنده علم، لكنه لم يكتمل علمه، فيُلفِّق، فهو ما بين الهلاك والنجاة، فتارةً يأخذ قولاً صحيحاً فيُعجب الناس من صحته وصوابه، ثم يوردهم المهالك، فإذا قال لهم أحد: إنه أخطأ في هذه المسألة، قالوا: لا، قد أصاب في غيرها فهو من أهل العلم.
ولذلك ينبغي لطالب العلم أن لا يستعجل، ونصف العالم ونصف الفقيه يقع في أثناء الطلب، ولذلك كان من الحِكم المشهورة: (أول العلم طفرةٌ وهزة، وآخره خشية وانكسار).
أول العلم فيه غرور، فإذا ثبَّت الله قدم صاحبه ومشى فيه حتى أتمَّه، وحرص على أنه لا يخرج ولا يكتب ولا يتصدَّر للناس إلا على أرضٍ ثابتة، وبيِّنة من ربه"اهـ([7]).
****************************
([1]) المعجم الوسيط مادة (تزبب)

([2]) أخرجه أحمد في المسند (الميمنية 2/291)، (الرسالة 13/291، حديث رقم 7912)، وحسنه محققو المسند بمجموع الطرق.

([3]) أخرجه أبوداود في كتاب الطهارة، باب في المجروح يتيمم، حديث رقم (336) انفرد به عن أصحاب الستة.. قال الألباني في صحيح سنن أبي داود: "حسن دون قوله إنما كان يكفيه"اهـ .

([4]) الرد على البكري (2/731).

([5]) فيض القدير (3/377).

([6]) بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية/ الشاملة (4/272).

([7]) الشرح الممتع شرح زاد المستنقع (9/25).

السبت، 26 يناير 2013

بعد الخمسين للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله

 
بعد الخمسين
للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله
نشر عام (1959م)

نظرت في التقويم فوجدت أني أستكمل اليوم ((23 جمادى الأولى (1379هـ) اثنتين وخمسين سنة قمرية، فوقفت ساعة أنظر فيها في يومي وأمسي، أنظر من أمام لأرى ما هي نهاية المطاف، وأنظر من وراء لأرى ماذا أفدت من هذا المسير.

وقفت كما يقف التاجر في آخر السنة ليجرد دفاتره ويحرر حسابه، وينظر ماذا ربح وماذا خسر. وقفت كما تقف القافلة التي جُنَّ أهلوها وأخذهم السُّعَار، فانطلقوا يركضون لا يعرفون من أين جاؤوا، ولا إلى أين يذهبون، ولا يهدؤون إلَّا إذا هدَّهم التعب، فسقطوا نائمين كالقتلى!
وكذلك نحن إذ نعدو على طريق الحياة؛ نستبق كالمجانين، ولكن لا ندري علامَ نتسابق، نعمل أبدًا من اللحظة التي نفتح فيها عيوننا في الصباح إلى أن يغلقها النعاس في المساء، نعمل كلَّ شيء إلَّا أن نفكر في أنفسنا أو ننظر من أين جئنا وإلى أين المصير!
وجردت دفاتري، أرى ماذا طلبت وماذا أُعطيت.

طلبت المجد الأدبي وسعيت له سعيه، وأذهبت في المطالعة حِدَّة بصري، وملأت بها ساعات عمري، وصرَّمت الليالي الطِّوال أقرأ وأطالع، حتى لقد قرأت وأنا طالب كتبًا، مِن أدباء اليوم مَن لم يفتحها مرة لينظر فيها! وما كان لي أستاذ يُبصِّرني طريقي ويأخذ بيدي، وما كان من أساتذتي مَن هو صاحب أسلوب في الكتابة يأخذني باتِّباع أسلوبه، ولا كان فيهم مَن له قدم في الخطابة، وطريقة في الإلقاء يسلكني مسلكه، ويذهب بي مذهبه. وما يسميه القراء (أسلوبي في الكتابة)، ويدعوه المستمعون (طريقتي في الإلقاء) شيء مَنَّ الله به عليَّ لا أعرفه لنفسي، لا أعرف إلَّا أني أكتب حين أكتب، وأتكلم حين أتكلم، منطلقًا على سجيتي وطبعي، لا أتعمد في الكتابة إثبات كلمة دون كلمة، ولا سلوك طريق دون طريق، ولا أتكلَّف في الإلقاء رنّةً في صوتي، ولا تصنُّعًا في مخارج حروفي.
وكنت أرجو أن أكون خطيبًا يهزُّ المنابر، وكاتبًا تمشي بآثاره البُرُد، وكنت أحسب ذلك غاية المنى، وأقصى المطالب، فلما نلته زهدت فيه، وذهبت مني حلاوته، ولم أعد أجد فيه ما يُشتهى ويُتمنَّى.
وما المجد الأدبي؟ أهو أن يذكرك الناس في كلِّ مكان، وأن يتسابقوا إلى قراءة ما تكتب وسماع ما تذيع، وتتوارد عليك كتب الإعجاب، وتقام لك حفلات التكريم؟ لقد رأيت ذلك كلَّه، فهل تحبون أن أقول لكم ماذا رأيت فيه؟ رأيت سرابًا… سراب خادع، قبض الريح!

وما أقول هذا مقالة أديب يبتغي الإغراب ويستثير الإعجاب، لا والله العظيم (أحلف لكم لتصدقوا) ما أقول إلَّا ما أشعر به. وأنا من ثلاثين سنة أعلو هذه المنابر، وأحتل صدور المجلات والصحف، وأنا أكلِّم الناس في الإذاعة كلَّ أسبوع مرة من سبع عشرة سنة إلى اليوم، ولطالما خطبت في الشام ومصر والعراق والحجاز والهند وأندونيسيا خطبًا زلزلت القلوب، وكتبت مقالات كانت أحاديث الناس، ولطالما مرَّت أيام كان اسمي فيها على كلِّ لسان في بلدي، وفي كلِّ بلد عشتُ فيه، أو وصلَتْ إليه مقالاتي، وسمعت تصفيق الإعجاب، وتلقَّيت خطب الثناء في حفلات التكريم، وقرأت في الكلام عني مقالات ورسائل، ودرَس أدبي ناقدون كبار ودُرِّس ما قالوا في المدارس، وتُرجم كثير مما كتبت إلى أوسع لغتين انتشارًا في الدنيا: الإنكليزية والأردية، وإلى الفارسية والفرنسية… فما الذي بقى في يدي من ذلك كلِّه؟ لا شيء. وإن لم يكتبْ لي الله على بعض هذا بعضَ الثواب أكُنْ قد خرجت صفْرَ اليدين!

إني من سنين معتزل متفرد، تمرُّ عليَّ أسابيع وأسابيع لا أزور فيها ولا أزار، ولا أكاد أُحدِّث أحدًا إلَّا حديث العمل في المحكمة، أو حديث الأسرة في البيت. فماذا ينفعني وأنا في عزلتي إن كان في مراكش والهند وما بينهما مَن يتحدث عني ويمدحني، وماذا يضرُّني إن كان فيها من يذمُّني، أو لم يكن فيها كلِّها مَن سمع باسمي؟!
ولقد قرأت في المدح لي ما رفعني إلى مرتبة الخالدين، ومن القدح فيَّ ما هبط بي إلى دركة الشياطين، وكُرِّمت تكريمًا لا أستحقُّه، وأُهملت، حتى لقد دُعي إلى المؤتمرات الأدبية، وإلى المجالس الأدبية الرسمية المبتدئون، وما دُعيت منها إلى شيء، فألفت الحالين وتعوَّدت الأمرين، وصرت لا يزدهيني ثناء، ولا يهزُّ السبُّ شعرةً واحدة في بدني.
أسقطت المجد الأدبي من الحساب لما رأيت أنه وهم وسراب.

وطلبت المناصب، ثم نظرت فإذا المناصب تكليف لا تشريف، وإذا هي مشقة وتعب لا لذَّة وطرب، وإذا الموظف أسير مقيِّد بقيود الذهب، وإذا الجزع من عقوبة التقصير أكبر من الفرح بحلاوة السلطان، وإذا مرارة العزل أو الإعفاء من الولاية أكبر من حلاوة التولية. ورأيت أني مع ذلك كلِّه قد اشتهيت في عمري وظيفة واحدة، سعيت لها وتحرَّقت شوقًا إليها… هي أن أكون معلمًا في المدرسة الأولية في قرية حرستا، وكان ذلك من أكثر من ثلاثين سنة، فلم أنلها فما اشتهيت بعدها غيرها.
وطلبت المال، وحرصت على الغنى، ثم نظرت فوجدت في الناس أغنياء وهم أشقياء، وفقراء وهم سعداء.
ووجدتني قد توفي أبي، وأنا لا أزال في الثانوية، وترك أسرة كبيرة وديونًا كثيرة، فوفَّى الله الدين وربى الولد، وما أحوج إلى أحد، وجعل حياتنا وسطًا ما شكونا يومًا عوزًا، ولا عجزنا عن الوصول إلى شيء نحتاج إليه، وما وجدنا يومًا تحت أيدينا مالًا مكنوزًا لا ندري ماذا نصنع به، فكان رزقنا والحمد لله كرزق الطير: تغدو خِماصًا وترجع بِطانًا.
فلم أعد أطلب من المال إلَّا ما يقوم به العيش ويقي الوجهَ ذلَّ الحاجة.

وطلبت متعة الجسد وصرَّمت ليالي الشباب أفكر فيها، وأضعت أيامه في البحث عن مكانها، وكنت في سكرة الفتوة الأولى لا أكاد أفكر إلا فيها، ولا أحنُّ إلَّا إليها، أقرأ من القصص ما يتحدث عنها، ومن الشعر ما يشير إليها. ثم كبرت سني وزاد علمي، فذهبت السكرة وصحَّت الفكرة، فرأيت أنَّ صاحب الشهوة- الذي يسلك إليها كلَّ سبيل- كالعطشان الذي يشرب من ماء البحر، وكلما ازداد شربًا ازداد عطشًا، ووجدت أن مَن لا يرويه الحلال يقنع به، ويصبر عليه- لا يرويه الحرام، ولو وصل به إلى نساء الأرض جميعًا.
ثم ولَّى الشباب بأحلامه وأوهامه، وفترت الرغبة ومات الطلب، فاسترحت وأرحت.
وقعدت أرى الناس، أسأل: علامَ يركضون؟ وإلامَ يسعون؟ وما ثَمَّ إلَّا السراب!
هل تعرفون السراب؟ إنَّ الذي يسلك الصحراء يراه من بعيد كأنّه عينٌ من الماءِ الزُّلال تحدِّقُ صافية في عينِ الشَّمس، فإذا كدَّ الرِّكاب وحثَّ الصِّحابَ ليبلغه لم يلقَ إلَّا التراب.
هذه هي ملذَّات الحياة؛ إنَّها لا تلذُّ إلَّا من بعيد.

يتمنَّى الفقير المال، يحسب أنَّه إذا أُعطي عشرة آلاف ليرة فقد حيزت له الدُّنيا، فإذا أعطيها فصارت في يده لم يجد لها تلك اللَّذة التي كان يتصوَّرها، وطمع في مائة الألف … إنَّه يحسُّ الفقر بها، وهي في يده، كما يحسُ الفقر إليها يوم كانت يده خلاءً منها، ولو نال مائة الألف لطلب المليون، ولو كان لابن آدم واديًا من ذهب لابتغى له ثانيًا، ولا يملأ عينَ ابن آدم إلَّا التراب.

والشاعر العاشق يملأ الدنيا قصائد، تسيل من الرِّقة وتفيض بالشُّعور، يعلن أنَّه لا يريد من الحبيبة إلَّا لذَّة النظر ومتعة الحديث، فإذا بلغها لم يجدهما شيئًا، وطلب ما وراءهما، ثمَّ أراد الزَّواج، فإذا تمَّ له لم يجد فيه ما كان يتخيَّل من النعيم، ولذابت صور الخيال تحت شمس الواقع، كما يذوب ثلج الشِّتاء تحت همس الرَّبيع، ولرأى المجنون في ليلى امرأةً كالنساء ما خلق الله النساء من الطين وخلقها (كما كان يُخيَّل إليه) من القشطة، ثمّ لَمَلَّها وزهد فيها، وذهب يجنُّ بغيرها!

ويرى الموظَّفُ الصغيرُ الوزيرَ أو الأميرَ ينزل من سيارته، فيقف له الجندي، وينحني له الناس، فيظن أنَّه يجد في الرياسة أو الوزارة مثل ما يتوهَّم هو من لذَّتها ومتعتها؛ لحرمانه منها، ما يدري أنَّ الوزير يتعوَّد الوزارة، حتَّى تصير في عينه كوظيفة الكاتب الصغير في عين صاحبها. أوهام … ولكننا نتعلَّق دائمًا بهذه الأوهام!

وفكرت فيما نلت في هذه الدنيا من لذائذ، وما حملت من عناء، طالما صبرت النفس على إتيان الطاعة، واجتناب المعصية، رأيت الحرام الجميل، فكففت النفس عنه على رغبتها فيه، ورأيت الواجب الثقيل حملت فحملت النفس عليه على نفورها منه، وطالما غلبتني النفس فارتكبت المحرمات، وقعدت عن الواجبات، تألمت واستمتعت، فما الذي بقي من هذه المتعة وهذا الألم؟ لا شيء، قد ذهبت المتعة، وبقي عقابها، وذهب الألم وبقي ثوابه.
ولم أرَ أضلَّ في نفسه، ولا أغشَّ للناس ممَّن يقول لك: لا تنظر إلَّا إلى الساعة التي أنتَ فيها، فإنَّ ما مضى فاتَ، والمؤمَّل غيبٌ، ولكَ السّاعةُ التي أنتَ فيها.
لا والله؛ ما فات ما مضى، ولكن كُتب لك أو عليك، أحصاه الله ونسوه، والآتي غيب كالمشاهَد.

وما مَثَل هذا القائل إلَّا كمَثَل راكب سفينة أشرفت على الغرق، ولم يبقَ لها إلَّا ساعات، فما أسرع إلى زوارق النجاة إسراع العقلاء، ولا ابتغى طوق النجاة، كما يبتغيه من فاته الزورق، ولكنه عكف على تحسين غرفته في السفينة الغارقة يزين جدرانها بالصور، ويكنس أرضها من الغبار، يقول لنفسه: ما دامت السفينة غارقة على كلِّ حال، فلِمَ لا أستمتع بساعتي التي أنا فيها؟ يُفسد عمرَه كله بصلاح هذه الساعة، وإذا عرض له العقل يسفِّه عملَه، فليضرب وجه العقل بكأس الخمر التي تعمي عينيه، فلا يبصر ولا يهتدي، وإنَّ من الخمر لخمرة المال وخمرة السلطان!

هذا مثال من يجعل هذه الدنيا الفانية أكبر همِّه، ويزهد في الآخرة الباقية، ولو عقل لزهد في الدنيا. لا يحمل ركوته وعصاه، ويسلك البراري وحيدًا، ولا يقيم في زاوية ويمدُّ يده للمحسنين؛ فإن هذا هو زهد الجاهلين، وهو معصية في الدين. إنَّ الزهد الحق هو زهد الصحابة والتابعين، الذين عملوا للدنيا، واقتنوا الأموال، واستمتعوا بالطيِّبات الحلال، وأظهروا نِعَم الله عليهم، ولكن كانت الدنيا في أيديهم لا في قلوبهم، وكان ذكر الله أبدًا في نفوسهم وعلى ألسنتهم، وكانت الشريعة نبراسهم وإمامهم، وكانت أيديهم مبسوطةً بالخير، وكانوا لا يفرحون بالغنى حتى يَبطروا، ولا يحزنون للفقر حتى ييأسوا، بل كانوا بين غنيٍّ شاكر، وفقيرٍ صابر. ومَن يحصل المال وينفقه في الطاعة خيرٌ ممَّن لا يحصل ولا ينفق، بل يسأل ويأخذ، ومن يتعلَّم العلم ويعمل به، خيرٌ ممَّن يعتزل الناس للعبادة في زاويةٍ أو مغارة، ومن يكون ذا سلطانٍ ومنصب فيقيم العدل، ويدفع الظلم، خيرٌ ممّن لا سلطان له ولا عدل على يديه وليست العبادة أن تصفَّ الأقدام في المحاريب فقط، ولكنْ كلُّ معروفٍ تسديه إن احتسبته عند الله كان لك عبادة، وكلُّ مباحٍ تأتيه إن نويت به وجه الله كان عبادة؛ إذا نويت بالطعام التقوِّي على العمل الصالح، وبمعاشرة الأهل الاستعفاف والعفاف، وبجمع المال من حِلِّه القدرة به على الخير، كان كلُّ ذلك لك عبادة، وكلُّ نعمة تشكر عليها، وكلُّ مصيبة تصبر لله عليها كانت لك عبادة.

والإنسان مفطورٌ على الطمع، تراه أبدًا كتلميذ المدرسة؛ لـمَّا بلغ فصلًا كان همُّه أن يصعد إلى الذي فوقه. ولكن التلميذ يسعى إلى غاية معروفة، إذا بلغها وقف عندها، والمرء في الدنيا يسعى إلى شيءٍ لا يبلغه أبدًا؛ لأنَّه لا يسعى إليه ليقف عنده ويقنع به، بل ليجاوزه راكضًا يريد غايةً هي صورةٌ في ذهنه، ما لها في الأرض من وجود!
وقد يُعطى المال الوفير والجاه الواسع والصحة والأهل والولد، ثمّ تجده يشكو فراغًا في النَّفْس، وهمًّا خفيًّا في القلب لا يعرف له سببًا، يحسُّ أنَّ شيئًا ينقصه، ولا يدري ما هو، فما الذي ينقصه، فهو يبتغي استكماله؟

لقد أجاب على ذلك رجلٌ واحد؛ رجلٌ بلغ في هذه الدنيا أعلى مرتبة يطمح إليها رجل: مرتبة الحاكم المطلق في ربع الأرض، فيما بين فرنسا والصين، وكان له مع هذا السلطان الصحة والعلم والشَّرف، هو عمر بن عبد العزيز الذي قال: (إنَّ لي نفسًا توَّاقة، ما أُعطيت شيئًا إلَّا تاقت إلى ما هو أكبر: تمنَّت الإمارة، فلمَّا أُعطيَتها تاقت إلى الخلافة، فلمَّا بلغتها تاقت إلى الجنّة).
هذا ما تطلبه كلُّ نفس؛ إنَّها تطلب العودة إلى موطنها الأوَّل، وهذا ما تحسُّ الرغبة الخفيَّة أبدًا فيه، والحنين إليه، والفراغ الموحِش إن لم تجده.
فهل اقتربتُ من هذه الغاية، بعدما سرتُ إليها على طريق العمر اثنتين وخمسين سنة؟

يا أسفي! لقد مضى أكثر العمر، وما ادَّخرت من الصالحات، ولقد دنا السَّفر، وما تزوَّدتُ ولا استعددت، ولقد قَرُبَ الحصاد، وما حرثت ولا زرعت، وسمعت المواعظ ورأيت العِبَر، فما اتَّعظت ولا اعتبرت، وآن أوانُ التوبة فأجَّلتُ وسوَّفتُ.

اللهم اغفر لي ما أسررت، وما أعلنت، فما يغفر الذنوب إلا أنت. اللهم سترتني فيما مضى، فاسترني فيما بقي، ولا تفضحني يوم الحساب. ورحم الله قارئا قال: آمين .
----------------
اختيار موقع الدرر السنية: www.dorar.net
المصدر: كتاب (من حديث النفس) للشيخ علي الطنطاوي، مراجعة وتصحيح وتعليق مجاهد مأمون ديرانية - دار المنارة، السعودية، ط2، 1424هــ (ص 231).

الخميس، 24 يناير 2013

التوحيد أولاً وأخيراً عبد الله بن صالح العبيلان







التوحيد أولاً وأخيراً



التوحيد أولاً وأخيراً
عبد الله بن صالح العبيلان
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له واشهد أن لا اله ألا الله وحده لا شريك له واشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله.
أما بعد :
فان اصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة .
في هذه الليلة المباركة ليلة الثلاثاء السابع عشر من شهر ذي القعدة من العام ألف وأربعمائة وستة وعشرون من الهجرة النبوية.
حديثي هذه الليلة إنما هو في أمر عظيم أمر فرق الله عز وجل بسببه ولأجله بين العباد (ولذلك خلقهم) ألا وهو التوحيد كما سيأتي بيانه هو اعظم أمر أمر الله به العباد فإذا صلح توحيد الإنسان فان مادون التوحيد أمره هين ولم يميزنا الله تبارك وتعالى عن غيرنا من الأمم اليهود والنصارى والهندوس والبوذيين وغيرهم من الوثنيين إلا بالتوحيد .
ومحور هذه المحاضرة يتضمن أموراً ثلاثة :
1-
ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مما يدل على عظم أمر التوحيد وأهميته وانه الغاية في كل ما
يفعله المسلم وما يدعه .
2-
الكلام عن الشرك ومضار الشرك .
3-
الكلام على طريقة الشارع في حمايته لحمى التوحيد .

فأقول وبالله التوفيق :

الوجه الأول : التوحيد هو غاية الخلق فان الله تبارك وتعالى إنما خلق الجن والأنس ليوحدوه , ولذا قال تبارك وتعالى
(
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) فقوله يعبدون أي يوحدون فان المرء لاتنفعه صلاة ولا صيام ولا حج ولا إحسان ولا بر مالم يكن موحدا
وماهو التوحيد ؟
التوحيد هو إفراد الله بالعبادة ؛ إفراده بالتعلق ولذلك غاية التوحيد من حيث المعنى انه إفراد الله بالتعلق بالعبادة وأما الشرك فغايته التعلق بغير الله .
والتوحيد يقوم على ركنين أساسيين قل من يجمع بينهما من الخلق وهذان الركنان دلت عليها كلمة التوحيد لا اله إلا الله ودل عليهما قوله تبارك وتعالى ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ) ما معنى يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ؟
هو معنى لا اله إلا الله فإنها جمعت بين أمرين :
الأول : نفي العبادة عما سوى الله .
الثاني : إثبات العبادة لله .
ولذا كان معنى لا اله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله تبارك وتعالى , ومن هنا فانه يخطئ من يظن أن معنى لا اله إلا الله أي لا خالق ولا رازق ولا مالك ولا مدبر إلا الله فهذا وان كان حق وهو نوع من أنواع التوحيد لكنه ليس التوحيد الذي ينجوا به العبد من عذاب الله ولذا لما قيل لكفار قريش ( وإذا قيل لهم لا اله إلا الله يستكبرون ويقولون أإنا لتاركوا ألهتنا لشاعر مجنون ) ويقولون ( اجعل الآلهة إله واحد ) وهم في نفس الوقت يقول الله عنهم ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ) ولذلك إذا أردت أن تعرف أن هذا ليس هو التوحيد الذي دعا إليه أنبياء الله أقوامهم من نوح إلى محمد فلو سئلت يهودي أو نصراني من خلق السموات ؟ ليقول لك الله , بل إن هذا الأمر لا يكاد ينكره إلا مستكبر وإلا فقد قال الله تعالى ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ).. (إن في صدورهم إلا كبرا ماهم ببالغيه ).
إذن لتعلم أخي المسلم أن العبادة إذا لم تكن خالصة لله فإنها لا تنفع صاحبها كما سيأتي بيانه إن شاء الله ,
ولذا قال تعالى ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) فسرها ابن عباس وغيره إن الإيمان المذكور في الآية هو الإيمان بربوبية الله أي توحيد الربوبية . فهم يؤمنون بان الله هو الخالق الرازق ومع ذلك يشركون مع الله غيره في العبادة . إذن الوجه الأول الذي يدل على عظم أمر التوحيد انه الغاية من خلق الجن والإنس .

الوجه الثاني : أن توحيد العبادة هو الغاية من إنزال الكتب السماوية ولذا قال تعالى ( الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير ) .

الوجه الثالث : أن توحيد الألوهية هو الغاية من إرسال الرسل قال سبحانه وتعالى ( ولقد بعثنا في كل امة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت )

الوجه الرابع : أن توحيد الألوهية هو الغاية من تطهير بيت الله كما قال تعالى ( وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود )

الوجه الخامس : أن توحيد العبادة غاية الجهاد وقتال الكفار فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها) .

الوجه السادس : أن توحيد الألوهية هو دعوة جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام فكانوا يدعون أقوامهم إلى عبادة الله تعالى وحده ويقولون لأقوامهم ( اعبدوا الله مالكم من اله غيره ).

الوجه السابع : أن توحيد العبادة أول دعوة الرسل كما يظهر ذلك من آيات القران الكريم وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ ( فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا اله إلا الله ) .

الوجه الثامن : أن توحيد العبادة كما أنه أول دعوة الرسل وكذلك هو آخر دعوة الرسل أيضا , فهو أول الأمر وآخر الأمر فقد وصى بها يعقوب عليه الصلاة والسلام بنيه فقال ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ماتعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك واله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إله واحد ونحن له مسلمون ) وقالت عائشة كما في الصحيحين لما حضرت النبي صلى الله عليه وسلم الوفاة جعل يطرح طرف خميصة على وجهة وكل ما اغتم كشفها وهو يقول ( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) فهذه كانت آخر وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لمن لقدوة الناس بعده لأصحابه رضي الله عنهم.

الوجه التاسع : أن توحيد الألوهية أول واجب وأخر واجب وأول ما يدخل به المرء في الإسلام أما بالنسبة للأولية فقد تقدم وأما بالنسبة لكونه أخر واجب وأنه يجب خروج المرء به من الدنيا قول النبي صلى الله عليه وسلم ( من كان أخر كلامه من الدنيا لا اله إلا الله دخل الجنة ) وقال أيضا في الصحيح ( من مات وهو يعلم أن لا اله إلا الله دخل الجنة ) .

الوجه العاشر : أن المرء لا يدخل في الإسلام ولا يصير موحد بمجرد إيمانه واعترافه بتوحيد الربوبية ولو أفنا عمره في ذلك حتى يؤمن ويقر بتوحيد الألوهية ولذا قال تبارك وتعالى ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ).

الوجه الحادي عشر : أن الله تبارك وتعالى لا ينظر إلى عمل احد ولا يقبله إلا بعد أن يأتي بالتوحيد ولذا بوب البخاري من قوله تعالى : ( فاعلم انه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ) بوب قال : باب العلم قبل القول والعمل وأعظم العلم وأشرفه هو العلم بالتوحيد بما دلت عليه كلمة التوحيد ولذا قال تبارك وتعالى ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولي العلم قائما بالقسط لا اله إلا هو العزيز الحكيم )
*
انتقل إلى نقطة أخرى وهي ما يضاد التوحيد ألا وهو الشرك ,
فالشرك كما لا يخفى عليكم هو تسوية المخلوق بالخالق في ماهو من خصائص الله أي ما لا يجوز صرفه لغير الله ولذا قال تبارك وتعالى عن بعض المشركين قال تبارك وتعالى عنهم ( قالوا تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين ) إذن الشرك وأعني الشرك الأكبر هذا كما سيأتي ضرره أعظم من ضرر أي معصية أخرى من المعاصي كما سيأتي بيانه وتفصيله.

-
الثاني بيان أضرار الشرك بالله :
أولا : أن الله لا يغفر الشرك إلا بالتوبة النصوح قال تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء )

-
ما الفرق بينه وبين بقية المعاصي ؟
بقية المعاصي إذا مات الإنسان مصر عليها فان عقيدة أهل السنة والجماعة أن أمره إلى الله إن شاء عذبه وان شاء غفر له , أما من مات على الشرك فإنه لا يغفر ذنبه ومآله إلى النار عياذ بالله من النار .
الثاني: انه لا يجوز الاستغفار للمشرك بعـد موته قال سبحانه ( ما كان للنبي والذين امنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ماتبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ) وقال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم ( استأذنت ربي أن ازور قبر أمي فأذن لي واستأذنته أن استغفر لها فلم يأذن لي ).
الثالث : أن الشرك سبب دخول النار ابد الآبدين وعدم دخول الجنة قال تعالى ( انه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار )
الرابع : أن الشرك يحبط العمل قال تعالى ( ولوا أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ) .
الخامس : أن الله ضرب للمشرك مثلا موبقا هادما فقال تعالى ( حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله كأنما خر من السماء فتخطفه الطيراو تهوي به الريح في مكان سحيق )
السادس : أن الشرك رجس وان المشرك نجس قال سبحانه وتعالى ( يأيها الذين امنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) .
السابع : أن الشرك ظلم عظيم قال الله عز وجل عن عبده لقمان وهو يوصي ابنه : ( يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ) .
الثامن : أن الشرك اكبر ذنب على الإطلاق فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه أبو بكرة رضي الله عنه ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قالها ثلاثا قالوا بلى يا رسول الله قال : الإشراك بالله وعقوق الوالدين .... الحديث ) .
انتقل إلى المسالة الثالثة وهي المهمة التي يحتاج إلى معرفتها كل وحد منا ألا وهي ,
طريقة الشارع في حماية حمى التوحيد :
المسالة الأولى : أن الشارع حذر من الغلو فقال تبارك وتعالى ( يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إياكم والغلو في الدين فان الغلو في الدين اهلك من كان قبلكم ).
المسالة الثانية : النهي الشديد عن صورة ذي الروح ولا سيما صور المعظمين وقد ورد التغليظ في المصورين فيما لا يخفى عليكم وانه يؤمر يوم القيامة أن ينفخ فيها وليس بنافخ .
المسألة الثالثة : التحذير البالغ من بناء القبب والمساجد على القبور وأنها هذا سبب مباشر للإشراك بالله تعالى فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصور فيه تلك الصور فأولئك شرار الخلق عند الله ).
المسألة الرابعة : المنع الشديد والنهي البالغ عن تعظيم القبور بما لم يأذن به الشرع كالصلاة إليها أو عليها أو بينها أو فيها وتجصيصها وتزيينها والكتابة عليها أو مضاهاتها فعن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها ) .
المسالة الخامسة : الأمر بهدم بناء القبب والمساجد على القبور والأمر بتسويتها فقد قال ثمامة بن شفي كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسوي ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يأمر بتسويتها يعني تسوية القبور ).
المسألة السادسة : التحذير الشديد من زيارة القبور للصلاة في المساجد عليها أو الدعاء عندها على ظن أن هذا أسرع إجابة أو للتبرك بها أو جعلها عيدا أو للحج إليها يشد إليها الرحال أو زيارتها لعبادة الله عندها في أي نوع كان من أنواع العبادة من ذبح أو نذر أو إعتكاف أو قراءة القران أو غير ذلك فان كل هذا من اعظم أسباب الوثنية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ...... الحديث ).
المسألة السابعة : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور مطلقا ثم إذنه بالزيارة وذلك للتزهيد بالدنيا وتذكير الآخرة والدعاء لأهل القبور بالمغفرة فقط هذا هو الغرض من الأذن في زيارة القبور لا لغرض أخر وبدون شد الرحال والحج والسعي إليها فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ) إذن العلة في نهيه عن زيارة القبور هو سد لباب من الأبواب التي قد تفضي إلى الشرك فلما تمكن العلم من قلوب الصحابة وعرفوا التوحيد وعرفوا الشرك علما وعرفوه معرفة تامة أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور .
المسألة الثامنة : الوعيد الشديد في تعظيم الإنسان في مالم يأذن به الشرع فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(
من سره أن يتمثل له الرجال قياما فلتبؤ مقعده من النار ) .
المسألة التاسعة : التحذير من طاعة المخلوق في معصية الخالق لأن عواقبها وخيمة ومنها التقليد الأعمى والتعصب الحزبي المذهبي ورد النصوص لأجل أقوال الأئمة فهذا من عبادة غير الله قال تعالى ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ).
المسألة العاشرة : الاحتراز عن التمائم والاحتياط في الرقى لتأكد من الرقية الشركية من الرقية السنية ولذلك قال عليه الصلاة والسلام ( من تعلق تميمة فلا أتم الله له ) وإنما كان النهي عن تعليق التمائم لأن هذا من تعلق القلب بغير الله وقد سمعتم قبل قليل أن غاية الشرك هو التعلق بغير الله .
المسألة الحادية عشر : النهي عن الذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله أو في معبد للمشركين أو وثن لهم أو عيد من أعيادهم فقد قال ثابت بن الضحاك نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحر ابل ببوانه فأت النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني نذرت أن انحر ابل ببوانه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( هل كان فيها وثن من أوثانهم فقالوا لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل كان فيها عيد من أعيادهم قالوا لا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوف بنذرك فانه لا وفاء بنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم ).
المسألة الثانية عشر : التحذير الشديد من كل مافيه وسيلة إلى الشرك بحجر أو شجر سد لذريعة الشرك فقد قال عمر بن الخطاب الفاروق حين قبل الحجر الأسود ( إني اعلم انك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك )
المسألة الثالثة عشر : المنع عن تتبع أثار الأنبياء والمرسلين فضلا عن الأولياء والصالحين لتقبلها واستلامها والالتزام بها وإجلالها أو التبرك بها أو الصلاة فيها أو الدعاء فيها وعندها من مساجدهم أو بيوتهم أو مجالسهم أو مقاماتهم ونحوها فيما لم يرد في الشرع الترغيب في تتبعها ولذا قال روى المعرور بن سويط قال خرجنا مع عمر في حجة حجها فقرأ بنا في صلاة الفجر ( الم ترى كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) ( ولإيلاف قريش) فلما قضى حجه ورجع والناس يبتدرون فقال ما هذا فقالوا مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر ( هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا أثار أنبيائهم بيعا من عرضت له منكم صلاة فيه فليصل ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصلي ) ولذا قال الصنعاني في الثناء على دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله .


سـلام علـى نجـد ومـن حـل فــي نـجـدوان كان تسليمي على البعد لا يجد

إلى أن قال في الثناء عليه :

أقف إلى هذا الحد وأسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن وفقه الله إلى تحقيق التوحيد فإن تحقيق التوحيد هو أعظم عمل يتقرب بها المسلم إلى ربه ولذا جاء في الصحيح من حديث سعيد بن جبير يرويه عن ابن عباس انه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن سبعين ألف من هذه الأمة يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ) قال فخاض الناس في هؤلاء السبعين ألف منهم فـقيل هم الذين صحبوا النبي وقيل هم الذين ولدوا في الإسلام فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه فقال ( هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون ) يعني أنهم متعلقون بالله لم ينظروا إلى غيره تبارك وتعالى وهذا تحقيق التوحيد وتحقيق التوحيد هو أمر فوق ماهية التوحيد وإنما يكون تحقيق التوحيد بأمور ثلاث:
الأمر الأول : تحقيقه يعني تخليصه وتصفيته من شوائب الشرك والبدعة والمعصية فالشرك ينافي التوحيد بالكلية والبدعة تنافي كماله الواجب والمعصية تقدح فيه وتنقص ثوابه فمن أراد أن يحقق التوحيد فعليه أن يسلم توحيده من هذه الأمور الثلاثة , والمعصية لا يراد بها صغائر الذنوب فإن صغائر الذنوب تكفرها الصلاة والصيام وإنما المراد بالمعصية هي كبائر الذنوب وإلا قد قضى الله تبارك وتعالى أن من ترك واجتنب كبائر الذنوب فإن الله يكفر عنه سيئاته في قوله تبارك و تعالى ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ) وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك على نبينا ورسولنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين

حكم الإحداد على الملوك والزعماء | الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (رحمه الله)

حكم الإحداد على الملوك والزعماء الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (رحمه الله) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه و...