الخميس، 12 ديسمبر 2024

أراء وأحاديث مع الدكتور تقي الدين الهلالي | الشيخ محمد تقي الدين الهلالي (رحمه الله)

            أراء وأحاديث مع الدكتور تقي الدين الهلالي                                الشيخ محمد تقي الدين الهلالي (رحمه الله)

بعثت (دعوة الحق) مندوبها إلى الفندق الملكي، ليهنئ باسمها الدكتور تقي الدين الهلالي بسلامة الوصول إلى أرض الوطن، بعد غيبة طالت خمسا وثلاثين سنة، وليبلغه متمنيات أسرة المجلة لسيادته بالمقام الطيب، والصحة الكاملة.


وقد كتب مندوب المجلة بعد هذه المقابلة ما يلي:

دخلت على الدكتور تقي الدين غرفته بالفندق الملكي، فإذا أنا أمام شخص متواضع في سمته وحديثه وحركاته، بسيط في مظهره، يبدأك بالسلام، ويرحب بك ترحيبا يجعلك تحس من أول وهلة أن بينكما سابق معرفة، ويحملك على أن تطرح التكلف، وتتبسط في الحديث، وتتمتع بحريتك كاملة، وتفتح قلبك كله لهذا الرجل الذي يتحدث إليك بقلبه قبل أن يتحدث إليك بلسانه. إنه الدكتور تقي الدين الهلالي، العالم الجليل، والإنسان المتواضع، والقلب الكبير.


آثرت في الحديث الذي أجريته مع الدكتور تقي الدين ألا أقيده بأسئلة محدودة، وإنما تركت الحديث يأخذ مجراه الطبيعي، وتركت الأستاذ يتكلم على سجيته، ولعلي أوفق في أن أجمل لك خلاصة هذا الحديث هنا آملا أن تجد فيه من المتعة، مثل ما وجدت أنا في الحديث إلى الأستاذ.


الطالب تقي الدين:

كان الطالب تقي الدين الهلالي في السادسة والعشرين من عمره عندما غادر المغرب إلى مصر في سنة 1922 وكانت غايته من الرحلة أن يطلب العلم، وعلم الحديث على الخصوص، وقصد الأزهر، ولكنه لم يجد بغيته فيه، فانقطع عنه، وتوثقت صلته بالشيخ رشيد رضا وتلامذته، وفي المجالس الخاصة للشيخ رشيد رضا تفتق ذهن الطالب المغربي، وبان فضله ورغبته في العلم، وحرصه على تحصيله مهما كلفه ذلك من جهد أو تضحية أو مغامرة، كما أن المناقشات الحادة التي كانت تجري في مجالس الشيخ رشيد رضا كانت سببا في نضجه الفكري، وتحوله عن التقليد إلى استعمال الفكر وطلب الأدلة العقلية، وعن التقديس المبالغ فيه للعلماء الأعلام والتسليم بكل ما يرد عنهم، إلى البحث الاستقلالي والترجيح، والاعتماد على الأدلة الأصولية والرجوع إلى الكتاب والسنة. ومع ذلك فلا تزال في النفس بقية، ولا يزال الطالب الذي خرج من المغرب في طلب علم الحديث يبحث عنه فلا يجد ما يشفي غلته منه.


همة تصحبها حماقة:

وأخيرا قيل للطالب المغربي: إذا كنت جادا في طلب علم الحديث فعليك بالهند، نعم الهند، فهناك فقط تستطيع أن تجد بقية الأعلام من رجال الحديث. وبدأ الطالب المغربي استشاراته من أجل تنفيذ المغامرة، وذكر يوما عزمه على السفر إلى الهند بمحضر الشيخ محمد حمزة أحد تلامذة الشيخ رشيد رضا، فقال له الشيخ حمزة كلمة لا زال يذكرها إلى اليوم: هذه همة تصحبها حماقة.

وكان معنى الحماقة هنا أن يفكر طالب فقير لا يجد عونا من أحد في السفر إلى الهند، في وقت لم يكن يستطيع فيه التفكير في سفر بعيد كهذا إلا من كان يتوفر على ثروة طائلة أو على الأقل على نصيب كبير من المال.


ومع ذلك فقد أصبحت الحماقة أمرا واقعا، وسافر تقي الدين إلى الهند حيث مكث خمسة عشر شهرا، تتلمذ خلالها لأعلام رجال الحديث كالشيخ عبد الرحمن المبارك بوري شارح الترمذي، وقد ذكر الشيخ الهندي تلميذه المغربي في آخر الجزء الرابع من كتابه.


الأستاذ تقي الدين:

في طريق العودة من الهند، مر تقي الدين الهلالي بالبصرة حيث قابل الشيخ محمد أمين الشنجيطي، وكان هذا رفيقا للشيخ أبي شعيب الدكالي في مكة. وفي البصرة اتخذ تقي الدين أسرة لأول مرة، وأسست له مدرسة كان يدرس فيها العربية وعلوم الدين.


في هذه الأثناء كان عبد العزيز بن سعود قد استولى على الحجاز، وبتوصية من الشيخ رشيد رضا سافر تقي الدين إلى مكة، حيث حل ضيفا على عبد العزيز ابن سعود أربعة أشهر، ثم عين مراقبا للمدرسين في المسجد النبوي، ومدرسا في نفس الوقت، وبعد سنتين انتقل إلى المعهد السعودي أستاذا للعربية والتفسير والحديث والتوحيد على طريقة أهل الحديث، لا على طريقة أهل الكلام، على حد تعبير الأستاذ نفسه.


في الهند مرة أخرى:

لم يطب المقام للأستاذ تقي الدين كثيرا في الحجاز، فغادرها إلى الهند مرة أخرى، وكان ذلك بدعوة من (ندوة العلماء) في الهند استدعته للتدريس في كليتها، ولا يزال الدكتور تقي الدين يذكر حتى الآن بعض تلامذته في كلية ندوة العلماء، أن منهم الأستاذ مسعود عالم الندوى مؤلف كتاب الضياء، وعلي أبو الحسن الندوي، والأستاذ محمد ناظم الندوي مدير جامعة (بهاون بول) في باكستان.


الشهادة = جواز السفر:

أدرك الأستاذ تقي الدين أن الأدب والعلم لا يمكن أن ينتفع بهما انتفاعا كاملا في الشرق الإسلامي بدون شهادة من جامعة أوربية، وهو يشبه هذه الشهادة بالنسبة للعالم بجواز السفر بالنسبة للمسافر، فقد تكون رجلا معروفا بالفضل والخلق الكريم والبعد عن كل ما يشينك، لكنك مع ذلك لا تستطيع أن تسافر بدون جواز سفر، إن الأمر كذلك بالنسبة للعالم في الشرق العربي والإسلامي، فالعلم وحده لا يكفي، لا بد من شهادة علمية من جامعة أوربية، لا بد من جواز مرور وبثمانين دينارا فقط، قرر تقي الدين المغامرة مرة أخرى، فسافر إلى جنيف بسويسرا حيث مكث شهرا كاملا في ضيافة المرحوم شكيب أرسلان وكان ذلك في سنة 1936.


كان الطالب المغربي ينوي السفر إلى بريطانيا لإتمام دراسته هناك، وكان الذي يشجعه على ذلك أنه كان قد تعلم اللغة الإنجليزية أثناء مقامه بالهند، لكن الإقامة والدراسة في بريطانيا كانت تتطلب نفقات باهظة لم يكن تقي الدين يتوفر على شيء منها، وأخيرا كتب إلى الأمير عادل أرسلان، وكان هذا الأخير مقيما إذ ذاك ببريطانيا، كتب إليه يسأله:

كم يكلف في بريطانيا القوت الذي يدفع الموت؟ فأجابه الأمير:

- إن القوت الذي يدفع الموت معناه، في هذه البلاد، الموت.

وهكذا أغلق باب بريطانيا في وجه الطالب المغربي، لكن أحد كبار الأساتذة الألمان، وهو الدكتور بريفر، يزور الأمير شكيب، ويعلن له أن في جامعة (بون) بألمانيا منصبا شاغرا لتدريس اللغة العربية، فيرشح الأمير شكيب لهذا المنصب صديقه تقي الدين.


في ألمانيا:

سألت الدكتور تقي الدين عن اللغة التي كان يعلم بها طلابه في ألمانيا، فهل كان هؤلاء الطلبة الألمان في مستوى من المعرفة باللغة العربية يمكنهم من تلقي المحاضرات بها، وأجابني الدكتور تقي الدين، أنه كان يشرح لهم النصوص العربية باللغة الإنجليزية، والطالب الألماني في الجامعة مطلوب منه أن يكون قادرا على تلقي العلم بلغتين على الأقل إلى جانب اللغة الألمانية، وهاتان اللغتان هما غالبا الفرنسية والإنجليزية.

لم يقتصر عمل الأستاذ تقي الدين في ألمانيا على التدريس في الجامعة، بل إنه شرع فورا في تعلم اللغة الألمانية، وقد استطاع أن يتقدم إلى امتحان فيها اجتازه بنجاح، ونال دبلوما في اللغة الألمانية، كما أنه كان في نفس الوقت يشتغل بالمشاركة مع بعض الأساتذة الألمان في نقل بعض الكتب العربية إلى اللغة الألمانية، ككتاب (البلدان) لمحمد بن الفقيه البغدادي المتوفى سنة 300 هجرية، وهو كتاب في الجغرافية العالمية، وكتاب (طيف الخيال) لمحمد بن دانيال الطبيب الموصلي.


وفي ظروف خاصة، انتقل تقي الدين من بون إلى برلين، أستاذا في جامعتها، ومرجعا للغة العربية في الإذاعة. وفي برلين تقدم لنيل الدكتوراه، وكانت رسالته عبارة عن ترجمة كتاب (الجماهر في الجواهر) لأبي الريحان محمد بن أحمد البيروني، مع التعليق عليها، وقبلت الرسالة، ونوقش تقي الدين أمام لجنة من الأساتذة في اللغة السريانية والعبرية والأدب العربي، ونال أخيرا لقب الدكتوراه بدرجة حسن، فكان بذلك أول مغربي يتخرج من جامعة برلين، كما قال له البروفيسور كينل وهو يصافحه مهنئا بالنجاح .


وتحت ضغط ظروف خاصة، لم يعد المقام في ألمانيا طيبا كما كان من قبل بالنسبة للدكتور تقي الدين، وحل في هذه الأثناء بألمانيا مفتي فلسطين السيد أمين الحسيني، فساعد الدكتور تقي الدين على السفر إلى الجزء الشمالي من المغرب، واشترط عليه الاسبانيون لكي يسمحوا له بالمكث في تطوان - بعد أن سحبوا منه جواز السفر- ألا يذيع أو يحاضر أو يكتب شيئا إلا بعد اطلاعهم عليه، كما أفهموه أنه لا يستطيع أن يكتب حتى باسم مستعار وإلا كان معرضا لأقسى العقوبات.


مكث الدكتور تقي الدين في تطوان إلى سنة 1947 ثم سافر إلى العراق وعين أستاذا في كلية الملكة عالية أولا، ثم في كلية دار المعلمين العليا ببغداد، حيث ما زال يتابع عمله إلى الآن.


سألت الدكتور تقي الدين: ما هي الإرشادات التي ترغبون في توجيهها إلى القراء، وإلى الشباب بوجه خاص، فأجاب: أولا التمسك بالإسلام. إن التدين لا يعني التأخر أو الرجعية أو ما إلى ذلك من هذه الألفاظ التي نسمعها تلقى في مجازفة وغير مبالاة، وإذا كان شبابنا يريد أن يزعم أن ألمانيا -مثلا- رجعية أو متأخرة، فإنه حر في ذلك، لكن الواقع يكذبه، إن أحد أبناء الدكتور اديناور راهب معروف، وإن قسم اللاهوت في كل جامعة ألمانية هو أقوى الأقسام نفوذا، وأكثرها تمتعا بالاحترام والتقدير، والأساتذة جميعا يحضرون الصلوات، وكذلك رجال الحكومة، وعلى رأسهم الدكتور اديناور نفسه.


ويجب أن يعلم شبابنا أن حكومة ألمانيا -وهي من أنجح الحكومات- تنتمي إلى الحزب الديموقراطي المسيحي، وهي تحكم ألمانيا منذ سنة 1948، وقد اجتهد الحزب الديمقراطي الاشتراكي كثيرا لإسقاطها فلم يوفق حتى الآن، وإن كان هذا يدل على شيء فعلى مقدار تدين الشعب الألماني، وحرصه على حكومته المتدينة.


على أن تغلغل الروح الدينية في الشعب الألماني لا يحتاج إلى دليل؛ إن كل متجول في ألمانيا يلحظه بسهولة، يلحظه في إقبال جماهير الشعب على الكنائس في أيام الآحاد وفي غير ذلك من المظاهر الدينية الأخرى.

ثانيا: أنصح لكل طالب مغربي يفكر في السفر إلى الخارج لإتمام دراسته، ألا يتوجه إلى الشرق العربي إذا كان يرغب في دراسة العلوم التطبيقية التجريبية، من طب وهندسة وصيدلة وما إلى ذلك، بل يتوجه إلى إحدى العواصم العلمية الأوربية، كما أوجه النظر إلى أنه ينبغي أن يكون لنا في كل عاصمة علمية لنا فيها طلبة، مشرف عليهم معين من طرف وزارة المعارف، وذلك كما هو الشأن مع كل البعثات العلمية.


ثالثا: أفضل بدل بعث الطلبة إلى الجامعات في الخارج تأسيس جامعة في المغرب، واستدعاء الأساتذة إليها من مختلف العواصم العلمية في العالم. وهكذا لا تكون الفائدة مقصورة على الطالب وحده وإنما تتعداه إلى خلق جو علمي تستفيد منه البلاد كلها. وبعد انتهاء الدراسة الجامعية يكون الطالب قد نضج عقله، وتم تكوينه، وقل الخوف عليه من المؤثرات الخارجية التي قد لا تكون في صالحه ولا في صالح أمته، وإذ ذاك يمكن بعثه إلى الخارج للتمرين والاطلاع.

[دعوة الحق العدد 3 ]

الأربعاء، 11 ديسمبر 2024

لا شيوعية ولا رأسمالية | الأستاذ علال الفاسي (رحمه الله)

 

لا شيوعية  ولا رأسمالية

 الأستاذ علال الفاسي (رحمه الله)


انتبه المسلمون اليوم على قنابر المستعمرين تدوي في أراضيهم، وأزيز المعامل الأجنبية تتجاوب في أرجاء بلادهم، فاندهشوا كيف تطور العالم الغربي هذا التطور وكيف أصبحت وسائل المسيحيين تطغى على الوسائل التي ورثها المسلمون. وقد تساءلوا عن الأسباب التي جعلتهم يرقون إلى هذه المكانة التي حكمتهم في مصير الشرق والغرب، بينما دأب المسلمون على حالة الخاضع الذي لا يتحرك ليتحرر، حتى يقع في قبضة مستعمر جديد، أو أسلوب من الاستعمار جديد.
و طبقا للعادة البشرية، فقد حاولوا أن يردوا أسباب الفشل والتأخر إلى نفوسهم أو عقائدهم، ولكن الحقيقة غير ذلك، فالغرب الأوربي لم يترق بصحة العقيدة ولا بقوة الخلق، بقدر ما ترقى بتطور الآلة والقدرة على الإنتاج، والمسلمون لم يتأخروا إلا لأنهم جمدوا على حالة من العيش، وأسلوب في العمل، لم يعد صالحا لحاجات البشرية ومستجدات العصر، وطبعي أن يؤدي هذا الاندهاش والشعور بالنقص إلى البحث عن الوسائل التي تصلح الأحوال وتؤدي للتطور المنشود.
والتفت المسلمون فإذا الغرب القوي الجبار منقسم على نفسه، بين نظام يقوم على المال، ونظام يقوم على العمل، واحد يمجد المالكين ويعتبرهم المثل الأعلى للنشاط والمقدرة على بناء الشخصية، والآخر يمجد العاملين وحدهم، بما أنهم الذين يضحون بكل شيء في سبيل الإنتاج وخلق المصنوع، ونظر، فإذا الأولون يبالغون في تقديس المال وعبادة الملكية والإشادة بالثروة بينما يدوسون بأقدامهم الطبقة الكادحة التي تظل نهارها وليلها عاملة ناصبة في سبيل الخلق والإبداع، ويبخلون عليها بالأقل الحيوي، ويعتبرونها نوعا من الرقيق الجديد إذا اعترفوا له بحق ما فإما ليكتسبوا منه أكثر، وإذا أرضوه في بعض الأشياء، فما ذلك إلا ليخضعوه بأقرب الطرق إلى ما يريدون، أما الآخرون فإنهم ينصفون العامل وإن كانوا يستعبدونه للدولة ويفقدونه الشخصية التي لا قيمة للفرد دونها.
لقد حار المسلمون بين الشرق والغرب، بين الشيوعية والرأسمالية، بين دعاة هذه وأنصار تلك، حتى كادوا يفكرون أنه لا سبيل للخلاص إلا باختيار إحدى السبيلين، ونسوا أن لهم من تعاليم الإسلام وأبوابه، ما يفتح لهم وللإنسانية جمعاء آفاقا بعيدة تنجيهم من الحيرة ، وتأخذ بهم إلى الخلاص. فالإسلام رفع قيمة الفرد، وجعله غاية الجماعة، وفرض علينا التضامن في سبيل عمارة الأرض وإصلاح
أحوالها لخير الكل، وأعلمنا أن الله خلق ما في الأرض لنا جميعا، فعلينا أن نبذل ما نستطيعه من جهد لاستخراجه والاستفادة منه، دون أن يطغي أحدنا على الآخر. أباح الإسلام الملكية، ولكنه لم يعطها القداسة التي أعطتها لها الثورة الفرنسية، لأنه اعتبرها عاملا من عوامل الاستقرار ووسيلة من وسائل الحث على العمل، وأعطى العمل قيمته الكبرى إذ جعله فضيلة إنسانية وخاصة بشرية، وفرض على الجميع الشغل في سبيل القوت وفي سبيل العائلة، وأعطانا أسسا من العدالة الاجتماعية، تقوم على تقسيم الثروة بقدر الحاجة أولا، ثم بقدر المجهود ثانيا - فلا يبخس أحد نتيجة عمله، ولا يحرم أحد مما يقوم به أوده.
و جعل المال وسيلة لا غاية، فمظاهر الثروة كلها إنما هي أدوات يتوصل بها إلى الحياة وإلى مساعدة الجمعية المسلمة على النمو والازدهار، ولذلك فلا يصح الاتجار في المال، ولا قرضه بالفائدة، ولا يسوغ ادخاره إلا إذا أدى الزكاة، لأن في كنزه عدم استعمال له وذلك ما يضر بالحالة الاقتصادية، وهكذا حفظ الإسلام التوازن بين الذين تسمح لهم ظروفهم وجهودهم بالإثراء من الطريق المعقول المشروع، وبين الذين يتقدمون للعمل، حتى يتم التقارب بين الطبقات، وتزول الفوارق الاجتماعية التي لا يرى لها الإسلام مبررا إلا إذا كانت قائمة على أساس المجهود الأكبر والعلم الأقوى، فلو أن المسلمين استطاعوا أن يرجعوا إلى أنفسهم ويتربصوا في تعاليم دينهم لأمكنهم أن يجدوا لأنفسهم النظام الصالح الذي يضمن لهم السعادة والعدل والإيمان.
ويتساءل المسلمون اليوم: أيمكننا أن نتعامل بالربا؟ ويجيبون بأن نصوص القرآن تحرم ذلك، ولكن عوامل الوقت تدعو إليه، ويتبجح أقوام بأن العصر لم يعد صالحا لتطبيق هذه التعاليم الإسلامية، لأن قواعد الاقتصاد العصري تفرض محرمات لم يعد ممكنا تلافيها، وينغمرون في الرأسمالية المحرمة، حتى إذا وقعوا في حمأتها عادوا ينشدون الخلاص، فلا يجدون مخرجا غير التطرف نحو الشيوعية التي تعوض رأسمالية الجماعة برأسمالية الدولة، ويحاول آخرون أن يبرروا باسم الدين ما كان محرما، متأولين الآيات ومستنزلين من التنزيل ما يطمئن إليه أنصار الماليين أو أنصار الكادحين، وينسى الجميع أنه لا يمكن أن يؤخذ نظام من الأنظمة أجزاء، بل إما أن يؤخذ كله أو يترك كله، ذلك الشأن في الرأسمالية وفي الشيوعية وذلك الشأن في الإسلام.
إن النظام الذي يفرضه الاستعمار علينا اليوم نظام رأسمالي محرم بجميع أشكاله، فكيف يمكن أن نحاول تبرير بعض أجزاء منه، كالربا أو الضمان أو المكس أو غير ذلك، مما يتنافى مع أبسط تعاليم الإسلام. والنظام الذي يطلب منا أن نكافح من أجله هو عكس ذلك ولكنه ليس أقل منافاة للإسلام منه، إنه يحرم الفرد من حريته ويأخذ به للإيمان بمادية لا روح فيها، أما النظام الإسلامي فهو وسط بين الطرفين، يقوم على العدل، أي المساواة في الحقوق وفي الواجبات، في إتاحة الشغل وفي الجزاء عليه.
لو أن المسلمين لم يقفوا في القرن السادس عند ما وقفوا فيه، ولو أنهم اكتشفوا البخار كما اكتشفه الأوربيون، واستعملوا الآلة في نفس الوقت، لكان للنظريات الاقتصادية عندهم شأن آخر يتفق مع ما أعطوه من تجربة التوفيق بين الدين وبين حاجات الإنسان، ثم لتطوروا بعد ذلك بتطور الآلة، ولسايروا ركب الحضارة العصري، من البخار إلى الكهرباء فعالم الذرة. ولكن سوء الحظ جعل قسما من هذه الحضارة يتطور في إطار بعيد عنهم، وغريب عن نظرياتهم، ولذلك فقد أدى به الأمر إلى الثورة على الدين، لأن رجاله في الغرب كان يقاومون المعرفة ويستنكرون المنكبين عليها، أما الآن وقد استيقظ المسلمون فواجبهم أن يبدأوا من حيث وقفوا، واجبهم أن يقتبسوا آخر ما وصل إليه الغرب من الصناعات ومن العلوم الضرورية لها، ثم يعرضوا ذلك على قوالب الاستنتاج التي خلفها لنا الأسلاف، والتي تقوم قبل كل شيء على الإيمان بالعقل، واستخلاص أحسن التجارب، وإذن لعرفوا في مقدمة الأمور أن الاقتصاد من حيث هو ليس علما ذا قواعد ثابتة لا تتخلف، وإنما هو مجموعة من الأنظمة التي تبتكرها الجماعات البشرية لتسير على منوالها زمنا ما، حتى إذا خلقت ابتكرت غيرها رغبة في الوصول إلى أساليب الكسب، وتنظيم قواعد المعاملة، ولذلك تجد الاقتصاد السياسي، عند الديمقراطيين غيره عند الفاشيين، وهو عند الشيوعيين مخالف لهما معا، فعلينا أن لا نحصر أنفسنا بين مضيقين، بل يجب أن نتجه إلى الفكر الحر والتجربة الواسعة، لنجد منهما مرة أخرى تعاليم الإسلام التي رفعت من شأننا في العصور الأولى، والتي هي وحدها القادرة على أن ترفع من شأننا في هذا العصر وفي كل عصر.
[ دعوة الحق العدد 2]

الثلاثاء، 10 ديسمبر 2024

تطبيق الشريعة كما يراه العلماء | الشيخ أحمد محمد شاكر (رحمه الله)


 تطبيق الشريعة كما يراه العلماء

الشيخ أحمد محمد شاكر (رحمه الله)


قال تعالى {والسارق و السارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله، والله عزيز حكيم. فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه، إن الله غفور رحيم. ألم تعلم أنّ الله له ملك السموات والأرض، يعذب من يشاء، والله على كل شيء قدير.}

قال الشيخ:

هذا حكم الله في السارق والسارقة، قاطع صريح اللفظ و المعنى، لا يحتمل أي شك في الثبوت ولا في الدلالة، وهذا حكم رسول الله تنفيذا لحكم الله وطاعة لأمره، في الرجال و النساء: قطع اليد، لا شك فيه، حتى ليقول صلى الله عليه و سلم: بأبي هو و أمي ـ : (لوأن فاطمه بنت محمد سرقت لقطعت يدها).

فانظروا إلى ما فعل بنا أعداؤنا المبشرون المستعمرون! لعبوا بديننا، وضربوا علينا قوانين وثنية ملعونه مجرمة، نسخوا بها حكم الله وحكم رسوله، ثم ربوا فينا ناسا ينتسبون إلينا، أشربوهم في قلوبهم بغض هذا الحكم، ووضعوا على ألسنتهم كلمة الكفر: إن هذا حكم قاس لا يناسب هذا العصر الماجن، عصر المدنية المتهتكة! وجعلواهذا الحكم موضع سخريتهم وتندرهم! فكان عن هذا أن امتلئت السجون ـ في بلادنا وحدها ـ بمئات الألوف من اللصوص، بما وضعوا في القوانين من عقوبات للسرقة ليس برادعة، ولن تكون أبدا رادعة، ولن تكون أبدا علاجا لهذا الداء المستشري.

ثم أدخلوا في عقول الطبقة المثقفة، وخاصة القائمين على هذه القوانين الوثنية، ما يسمونه علم النفس، وهو ليس بعلم ولا شبيه به، بل هو أهواء متناقضة متباينة. لكل إمام من أئمة الكفر في هذا العلم رأي ينقض رأي مخالفه. ثم جاؤوا في التطبيق يلتمسون الأعذار من علم النفس لكل لص بحسبه. ثم زاد الأمر شرا أن يكتب اللصوص أنفسهم كلاما يلتمسون به الأعذار لجرمهم، وقام المدافعون عنهم المقامات التي توردهم النار، يعلمون أن الجريمة ثابتة، فلا يحاولون إنكارها، بل يحاولون التهوين من شأنها، بدراسة نفسية المجرم وظروفه!!.

ولقد جادلت منهم رجالا كثيرا من أساطينهم، فليس عندهم إلا أن حكم القرآن لا يناسب هذا العصر!! و أن المجرم إن هو إلا مريض يجب علاجه لا عقابه. ثم ينسبون قول الله تعالى في هذا الحكم بعينه: { جزاء بما كسبنا نكالا من الله}، فالله سبحانه - وهو خالق الخلق، وهو أعلم بهم، وهو العزيز الحكيم- يجعل هذه العقوبة للتنكيل بالسارقين، نصا قاطعا صريحا، فأين يذهب هؤلاء الناس؟!

هذه المسألة: -عندنا نحن المسلمين- هي من صميم العقيدة، ومن صميم الإيمان، فهؤلاء المنتسبون للإسلام، المنكرون حد القطع، أو الراغبون عنه - سنسألهم: أتؤمنون بالله وبأنه خلق هذا الخلق؟ فسيقولون نعم، أفتؤمنون بأنه يعلم ما كان و ما يكون، و بأنه أعلم بخلقه من أنفسهم وبما يصلحهم و ما يضرهم؟ فسيقولون: نعم، أفتؤمنون بأنه أرسل رسوله محمدا بالهدى ودين الحق، وأنزل عليه هذا القرآن من لدنه هدى للناس و إصلاحا في دينهم و دنياهم؟ فسيقولون: نعم، أفتؤمنون بأن هذه الآية بعينها {والسارق و السارقة فاقطعوا أيديهما} من القرآن؟ فسيقولون: نعم، أفتؤمنون بأن تشريع الله قائم ملزم للناس في كل زمان وفي كل مكان ، وفي كل حال؟ فسيقولون: نعم، إذن فأنَّى تصرفون؟! وعلى أي شرع تقومون؟! أما من أجاب - ممن ينتسب للإسلام - على أي سؤال من السؤالات بأن: لا، فقد فرغنا منه و عرفنا مصيره. و قد أيقن كل مسلم من عالم أو جاهل، مثقف أو أمي: أن من يقول في شيء من هذا، لا، فقد خرج من الإسلام، وتردى في حمأة الردة، و أما من عدا المسلمين، ومن عدا المنتسبين للإسلام، فلن نجادلهم في هذا، ولن نسايرهم في الحديث عنه، إذ لم يؤمنوا بمثل ما آمنا، ولن يرضوا عنا أبدا إلا أن نقول مثل قولهم! وعياذا بالله من ذلك.

ولو عقل هؤلاء الناس - الذين ينتسبون للإسلام لعلموا أن بضعة أيد من أيدي السارقين لو قطعت كل عام، لنجت البلاد من سبة اللصوص، ولما وقع كل عام إلا بضع سرقات، كالشيء النادر، ولخلت السجون من مئات الألوف التي تجعل السجون مدارس حقيقية للتفنن في الجرائم لو عقلوا لفعلوا، ولكنهم يصرون على باطلهم، ليرضى عنهم سادتهم ومعلموهم! وهيهات!!

[مجلة التوحيد العدد 3]

الاثنين، 25 نوفمبر 2024

أدعية الكرب | وليد السعيدان (حفظه الله)

أدعية الكرب

الشيخ: وليد السعيدان (حفظه الله)

  بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

السائل: هذا الدعوة التي أقسم الرسول أنك لو قلتها لاستجاب لك الله، همٌ، غمٌ، زواج، إنجاب، ديون، نجاح، حزن، مرض، مصيبة، أدعي بعده بأي شيءٍ أو قبله أو معها أفدنا جزاك الله خيرًا يا شيخ؟

الشيخ: لا أعلم عين هذه الدعوة، ولكن هناك أدعيةٌ تُسمى أدعية الكرب، كقول الإنسان: «اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ »، إلى آخر الحديث المعروف، هذا يسمونه دعاء الكرب، وكذلك دَعْوَةُ ذِي النُّونِ الَّتِي دَعَا بِهَا فِي بَطْنِ الْحُوتِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، لَمْ يَدْعُ بِهَا مُسْلِمٌ فِي كُرْبَةٍ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ»

 وكذلك كثرة الصلاة على النبي أيضًا لحديث أُبي بن كعب أنه كانت له صلوات فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أجعل لك من صلاتي أأجعل لك ربعها؟ أجعل لك نصفها؟ حتى قال: سأجعل لك صلاتي كلها، يعني جميع الوقت المقتطع للدعاء سوف أقلبه من كونه دعاءً إلى كونه صلاةً وسلامًا عليك، فقال « إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ »، أو كما قال.

ومن ذلك أيضًا: أن يُلح الإنسان على الله تعالى بالدعاء وكثرة الانطراح بين يدي الله تعالى، وأن يُكثر من قول: يا حي يا قيوم، وأن يسأل الله تعالى باسمه الأعظم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم، فاسم الله الأعظم الله الحي القيوم، ما دعا بها إنسانٌ إلا أعطاه الله تعالى سؤله، هذا اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سؤل به أعطى.

وكذلك أن يُلح الإنسان على ربه بقول: يا ذا الجلال والإكرام، فأيضًا لها أثرٌ كبيرٌ في استجابة الدعاء، وكذلك أن يتلمس الإنسان الأوقات التي هي أحرى بالإجابة، كأدبار الصلوات، وبين الأذان والإقامة، وفي ثلث الليل الآخر، وفي ساعة الجماعة، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده، كل هذا من الأمور التي – بإذن الله – يُفرج الله  بها الهوم، ويُنفس بها الكروب، ويكشف به الغمم، ويستجيب بها الدعوات.

وأما دعاء معين غير هذه، فعلك – إن شاء الله – تبحث وتنظر في صحة هذا الدعاء، وإياك من تلك الأدعية المنتشرة على الشبكة العنكبوتية والتي يُرتب عليها ثوابٌ كثيرٌ لا أصل مما لا خطام لها ولا زمام فاحذر منها وعليك بالثابت من ذلك والله يفرج عنا وعنك والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

الاثنين، 18 نوفمبر 2024

ترك الاستطالة على الخلق بحق وبغير حق الشيخ | يوسف بن محمد الغفيص (حفظه الله)

 

ترك الاستطالة على الخلق بحق وبغير حق
الشيخ يوسف بن محمد الغفيص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
قال ابن تيمية -رحمه اللَّه- في العقيدة الواسطية: *وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي، والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق.*

قال الشيخ يوسف الغفيص -حفظه اللَّه-:  هذه الجملة الأخيرة من كلامه -رحمه اللَّه- هي من جمل الفقه الشريفة: أنهم ينهون عن الاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق.

والاستطالة بغير حق بينة الفساد؛ ولكن الاستطالة بحق قد تعرض لبعض أهل العلم، ولا سيما ممن لم يكن محققًا لمقام العلم، أو بعض العامة القاصدين للخير أو ما إلى ذلك، فيكون عندهم موجب للحق، كإنكار لمنكر قولي أو عملي أو ما إلى ذلك، فيزيدون في هذا الإنكار إلى قدر أن يستطيل أحدهم -أي: يحصل منه زيادة واعتداء- على غيره من المسلمين، بغض النظر عن كون هذا الغير سنيًا أو غير سني، ولكنه يكون أشد إذا كان هذا الغير الذي قصد الرد عليه من أقرانه من أهل السنة، وربما يكون أفضل منه علمًا وعملًا، فهذه حال موجودة.

اللَّه تعالى شرع إنكار المنكر، وشرع الأمر بالمعروف، لكن إنكار المنكر ليس معناه ملكية العقوبة للآخرين، فبعض الناس وهو ينكر المنكر كأنه يعاقب بشكل شخصي هذا المنكر عليه، فيستغل نقطة الضعف الموجودة عنده، ويتصرف معه كأنه يقدم له نوعا من العقاب الشخصي...

وإن كان الخلاف بين أهل السنة أتباع السلف الصالح لا ينبغي أن يؤخذ مساق النزاع الذي فيه فصل وقطع للعلائق.

هذا غلط، وإن كان يقع من كثير من هؤلاء بقصد الانتصار للحق، ويكون الحق أغلى عندنا من الرجال؛ فهذه المقدمات المجملة مقدمات صحيحة، ولكن هذه المقدمات أحيانًا لما فيها من الإجمال توجب كثيرًا من الانحراف عن منهج النبي صلى اللَّه عليه وسلم أو عن هدي أصحابه.

وهذا التسابق إلى الرد على المخالف من أهل السنة ليس حكيمًا، ويكفي البيان، والردود المعروفة عند السلف لم تكن على أئمة السنة؛ بل كانت الردود المشهورة والجمل المشهورة هي على أهل البدع.

أما من يريد أن يقتدي ببعض الآثار أو ببعض القصص التي عرضت، فهذا ليس مما يُقتدى به، مثل: أن محمد بن يحيى الذهلي يذكر عنه أنه طرد البخاري من مجلسه، أو أن مسلمًا خرج من مجلسه، وهذا من قوته -رحمه اللَّه- في السنة قد يكون الذهلي ليس مصيبًا فيه.

فمثل هذه المسائل لا ينبغي أن يكبر شأنها؛ لأنك إذا امتدحت الذهلي، فقد تذم الطرف الآخر، وهو البخاري، فيكون كلامك مشيرًا إلى أن البخاري مستحق لهذا، فهذه اجتهادات عرضت لها ظروفها الخاصة وليست سننًا عامة.

ومما يتعجب منه أن بعض طلبة العلم وبعض الشباب يستدل بقصة مجملة، ولك أن تقول: هي من متشابه المواقف، وليست من محكم المواقف، بمعنى أنها من المواقف المبنية على المصالح والمفاسد، يختلف الاجتهاد فيها حتى عند العالم نفسه، فلا تُجعل كالمنهج المطرد.

مثلًا: الإمام أحمد استأذن عليه داود بن علي، وكان صاحبًا وصديقًا لـ صالح ابن الإمام أحمد، وكان داود بن علي قد أظهر في أصبهان أن القرآن محدث، وقد تكلم بهذه الكلمة لأنها جاءت في القرآن، وما كانت هذه الكلمة تعجب الإمام أحمد فبلغ الإمام أحمد أن داود بن علي قال هذا في أصبهان، فجاء داود إلى بغداد وتلطف لـ صالح ابن الإمام أحمد أن يدخله على أبيه، فقال صالح لأبيه: إن رجلا من أهل أصبهان يريد أن يدخل عليك.

قال: من هو؟ قال: داود.

قال: داود ابن من؟ فقال: داود بن علي.

قال: لا يدخل، بلغني عنه أنه قال كذا وكذا.

فيأتي بعض الشباب الآن ويقول فيمن هو من كبار الصادقين أو الصالحين أو ممن انضبطت عقائدهم: لا يدخل ولا يخرج، ولا يتكلم، ولا نقبل منه صرفًا ولا عدلًا، وكأنه يطبق هنا موقف الإمام أحمد، وهذا اجتهاد من الإمام أحمد قد يكون صوابا وقد يكون غير صواب، فالإمام أحمد ليس معصومًا.

ثانيًا: إذا كان صوابًا وهو الصحيح: أن هذا كان صوابا من الإمام أحمد من باب ضبط السنة وألفاظ السنة في مسألة القرآن، فهذا كان لائقًا بمثل الإمام أحمد مع من هو مثل داود، وداود يفقه مثل هذا المقام، فإن داود بن علي كان من علماء السنة والجماعة، ما عنده أغلاط في الصفات مثل ابن حزم؛ فـ داود بن علي مختص بمذهب فقهي واجتهاد فقهي، أما عقيدته فهي نفس عقيدة السلف تمامًا، نقل عنه مسألة أن القرآن محدث، وهذه مسألة لفظية مثل ما نقل عن البخاري في مسألة اللفظ، أو عن الذهلي أو عن أبي حاتم مسألة مقابلة لهذا.

والمقصود: أن المقامات التي تعرض من الأكابر ليست سننًا للأصاغر، السنن هي السنن النبوية الشرعية.

والحق فيه من البيان والقوة ما لا يحتاج إلى كثير من الاستطالة معه في مسائل الردود، خاصة الردود بين أهل السنة أنفسهم -بين السلفيين- والردود يجب أن تسخر في الرد على شبه الكفار، وشبه أهل البدع، أما الردود على السلفيين في مسائل من الاجتهاد الممكن في الغالب، فهذا ليس حكيمًا، ولا مشهورًا زمن الأوائل -رحمهم اللَّه-.

[من شرح العقيدة الواسطية]

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

السبت، 16 نوفمبر 2024

كيف لا أتكلم إلا بخير أو أصمت | عايض بن سعد الدوسري

 كيف لا أتكلم إلا بخير أو أصمت
عايض بن سعد الدوسري

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:  
استشارة: 
كيف السبيل لأن لا أتكلم إلا بخير أو أصمت؟
الجواب:
هذا سؤال عظيم، وإهماله سبب عظيم لشقاء كثير من الناس وتعاستهم. وذلك أن أعظم موارد الحسرة والندامة والحزن هي اللسان، في الدنيا والآخرة، ولهذا فإن الاهتمام بهذا الموضوع من التوفيق البين.
والحل يجب أن يبدأ من معرفة أن كثير الكلام أو قليله يعتبر من العادات الثانية وليس الأولى، أن أنه عادة مكتسبة يكتسبها الإنسان في حياته، فقد يتعود على كثرة الكلام بإهماله ملاحظة المآلات والعواقب، وقد يقل كلامه لحكمته وفطنته ولحظه العواقب والمآلات الوخيمة لكثرة حركة اللسان.
ولهذا، فالحل يكمن في تغيير هذه العادة الثانية، وتغييرها يحتاج إلى أمرين:
٢-الصبر والمحاولة وعدم اليأس.
ولتبدأ، وهو نصيحتي، بالتزام الصمت الطويل، حتى تُعرف به ويعرفك الناس بقليل الكلام وندرته، فإذا طال عليك ذلك، فانظر حينها موجبات الكلام في أقل نطاقاته، فابدأ بأهمها وأولاها شرعًا وعقلًا، واقتصد في الكلام بمقداره إذا كان لا يقوم به غيرك وفيه منفعة لك ومنفعة متعدية إلى غيرك، ولا تتكلم إلا عن علم بما تقوله، فإذا جهلت أو شككت فلا تتكلم، وإذا رجح عندك أن فيه خطأ أو ضرر أو زلل فلا تستعجل في الكلام، فالإسراع إلى السكوت غالبًا خيرٌ وأسلم من الإسراع إلى الكلام.
وسوف تجد نفسك بعد التدرج والمحاولة والصبر والتمرين قد اكتسبت عادة جديدة، وهي الصمت الطويل والكلام القليل فيما فيه حق وخير وفائدة.
فالإنسان ليس إلا وليد عاداته وخبراته التي يكتسبها في هذه الحياة، وهو المسؤول الأول عن هذه العادات وتغييرها للأفضل، بالتدريج والصبر والمحاولة، وقبل كل ذلك التوكل على الله.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

السبت، 9 نوفمبر 2024

تربية الأبناء علي منهج السلف | أبو أويس المراكشي

تربية الأبناء علي منهج السلف

 أبو أويس المراكشي

 بسم الله الرحمن الرحيم

إن الأبناء هبة ونعمة من الله - سبحانه وتعالى -، يسر الفؤاد برؤيتهم، وتقر العين بمشاهدتهم وتسعد الروح بفرحهم، وكان من دعاء زكريا - عليه السلام - {رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين}. والبنون زينة الحياة الدنيا ولا يعرف عظم هذه النعمة إلا من حُرمها، فتراه ينفق ماله ووقته في سبيل البحث عن علاج لما أصابه

وأنت كأم مسؤولة عن هذه الأمانة التي حملك الله إياها،، إنها أمانة تربية أبنائك، والتي تسألين عنها يوم القيامة، أحفظت أم ضيعت؟ وزينة الذرية لا يكتمل بهاؤها وجمالها إلا بالدين وحسن الخلق، وإلا كانت وبالاً على الوالدين في الدنيا والآخرة.

وقد اشتد حرص السلف على مباشرة هذه المهمة - مهمة تربية الأبناء -، كما ذكر أن الخليفة العباسي المنصور بعث إلى من في السجن من بني أمية يقول لهم: ما أشد ما مر بكم في هذا السجن؟ قالوا: ما فقدنا من تربية أولادنا.

إذاً يلزمني وإياك أمور مما يخص سن فوق سبع سنوات، وذلك في الجانب الإيماني والاجتماعي أما التربوي فكثير، ولكن مجالنا لا يتسع لذكره فأهم تلك الأمور: -

1. احرصي على سلامة عقيدتهم مما يشوبها، فجنبيهم لبس الحروز والتمائم وقراءة الكف وغير ذلك من أمور الكهانة، وعظمي في قلوبهم كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وما أظن تفشي شوائب العقيدة تلك كقراءة الكف بين الطالبات في المدارس إلا بسبب جهل الوالدين أو تساهلهم في توجيه أبنائهم وتوعيتهم.

2. احرصي على غرس الإيمان في قلوبهم ورقابة الله عليهم. وتأملي وصايا لقمان لابنه {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله} وذكريهم أن الله يراقبهم ومطلع على أعمالهم، فعن ثابت بن قيس - رضي الله عنه - قال: أتى علي رسول الله وأنا ألعب مع الغلمان فسلم علينا، فبعثني في حاجة فأبطأت على أمي فلما جئت قالت: ما حبسك؟ فقلت: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحاجة، فقالت: وما حاجته؟ قلت: إنها سر. قالت: لا تخبرن بسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحداً. قال أنس: والله لو حدثت به أحداً لحدثتك به يا ثابت [رواه مسلم]. فانظري يا رعاك الله إليها لم تعاقبه حين أخفى عنها كما يفعل بعضهن، بل إن بعضهن تكثر السؤال عليه حول خاصة البيوت التي يدخلها وما يحدث عندهم، فتغرس في نفسه الفضول وإفشاء الأسرار وهي لا تعلم.

3. ذكريهم دوماً بأنه عزيز ذو انتقام لمن عصاه، وأنه غفور رحيم لمن تاب وأناب.. وذكريهم بالموت وشدته، والقبر وظلمته، والقيامة وأهوالها، حثيهم على الطاعات وخصوصاً الصلاة، وراقبيهم فيها وأيقظيهم من النوم لها، وعظمي شأنها في قلوبهم، واحذري من الرحمة التي تحول دون إيقاظهم والتي توردك وإياهم النار والعياذ بالله. وهنيئاً لتلك الأم الكبيرة في السن التي تمسك بيد ولدها ذي التسع سنوات خوفاً عليه وتذهب به إلى المسجد لأداء صلاة الفجر مع الجماعة، وتجلس عند باب المسجد إلى أن تقضى الصلاة ثم تعود به معها. عوديهم الصيام في صغرهم ليسهل عليهم إذا بلغوا، وأشعريهم بمراقبة الله لهم، فالصيام أعظم مُربٍّ, لهم لاستشعار مراقبة الله.

4. راقبي أبناءك فلا تدعيهم يتساهلون بالمنكرات وأنت تعلمين، فلا تسكتي وأنت تعلمين أن ابنتك تسمع الغناء وتضع المناكير وتتوضأ دون أن تزيله، أو أنها تنتف شعر حاجبها أو تقص شعرها القصات المحرمة، أو تخل بشيء من الحجاب الشرعي أو تتساهل فيه فتزين عباءتها أو تضعها على كتفها، أو تتعطر عند خروجها، أو تظهر شيئاً من بدنها، أو تذهب إلى السوق أو الأماكن العامة بمفردها، أو تركب مع السائق بمفردها، أو تتساهل بلبس العاري والقصير والمفتوح ولو أمام النساء، أو تقتني المجلات الهدامة، وحذاري أن تجعلي الهاتف في غرفتها الخاصة وراقبيها عن بعد، وإياك والثقة المفرطة ومن الوساوس التي ربما تؤثر على البنت فتفقدها الثقة بنفسها.

ثم احذري أيتها الأم الفاضلة من احتجاجك بعدم قدرتك عليها أو أنك كارهة لهذا المنكر والكره كافٍ,.. بل كوني قوية في الحق لا ترضين بباطل، لينة هشة فيما عدا ذلك. وتذكري دوماً قول المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: (ومن كانت له ابنتان فأحسن إليهما كن له ستراً من النار).

قال سماحة الشيخ ابن باز - رحمه الله -: والإحسان إلى البنات يكون بتربيتهن التربية الإسلامية وتعليمهن وتنشئتهن على الحق والحرص على عفتهن. وبعدهن عما حرم الله من التبرج وغيره، وهكذا تربية الأخوات والأولاد الذكور، إلى غير ذلك من وجوه الإحسان حتى يتربى الجميع على طاعة الله ورسوله والبعد عما حرم الله والقيام بحق الله - سبحانه وتعالى -، وبذلك يعلم أنه ليس المقصود مجرد الإحسان بالأكل والشرب والكسوة فقط. بل المراد ما هو أكبر من ذلك من الإحسان إليهم في عمل الدين والدنيا. وقال - رحمه الله -: إن الحديث عام للأب والأم. (من مجموع فتاوى ومقالات متعددة 4/377).

ولله در تلك المرأة العربية التي لم ترض الاختلاط لابنتها مع الرجال الأجانب في المدرسة من طلاب ومعلمين، بل إن عموم طابع الاختلاط في بلدها لم يثنِها عن موقفها حتى فصلتها عن المدرسة خشية إلفتها الاختلاط، وبدأت تعطيها العلم الشرعي في البيت فنرجو لها أن تكون قد أحسنت إلى ابنتها فكانت لها ستراً من النار.

5. حذري أبناءك من قرناء السوء ووضحي لهم مخاطر صحبتهم، ولقد وجه سؤال إلى نزلاء دار الملاحظة في إحدى مدن المملكة حول السبب الذي ساقهم إلى هذا المكان، فكانت إجابة 75% منهم أن السبب والدافع وراء ذلك قرناء السوء. فاحفظيهم منهم ومن الشارع ومخاطره، واجعليهم يستغلون أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع كحفظ القرآن في المسجد والالتحاق بالمراكز الصيفية في الإجازة.. ثم إياك وإياك من إدخال اللصوص إلى بيتك نعم لصوص العقيدة والفضيلة تلك الآلات المحرمة وخاصة (الدش) ولو كان قصدك إسعادهم.

يقول أحد الدعاة: إن الأب الذي أهدى الدش لأبنائه إنما هو في الحقيقة أهدى أبناءه للدش.

قال الشيخ ابن سعدي - رحمه الله -: من ترك شيئاً لله تهواه نفسه عوضه الله خيراً منه في الدنيا والآخرة، فمن ترك المعاصي لله ونفسه تشتهيها عوضه الله إيماناً في قلبه وسعة وانشراحاً وبركة في رزقه وصحة في بدنه، مع ما له من ثواب الله الذي لا يقدر على وصفه. أ. هـ من تفسيره.

ثم احذري - أختي القارئة - من الدعاء عليهم ولو كنت غاضبة، حتى لا توافقي ساعة استجابة فيستجاب لك، بل أكثري من الدعاء لهم.. قال القرطبي: لا شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله - عز وجل -.

نسأل الله - عز وجل - أن يصلح نياتنا وذرياتنا وأن يجعلهم قرة عين لنا في الدنيا والآخرة، وأن يعيننا على تحمل هذه الأمانة..

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

حكم الإحداد على الملوك والزعماء | الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (رحمه الله)

حكم الإحداد على الملوك والزعماء الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (رحمه الله) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه و...